بلوغِ الهديِ مَحِلَّهُ، مَعَ أن النصَّ لم يَرِدْ إِلاَّ فِي الحلقِ. فَلَوْ وَجَبَ الاقتصارُ عَلَى النصِّ، لم يَمْتَنِعُ فَسْخُ الحجِّ إِلَى العمرةِ لأجلِ هَذِهِ العِلَّةِ. فَإِنَّهُ حينئذٍ كَانَ يُمْكِنُ التحلُّلُ مِن العمرةِ بالتقصيرِ. ويبقى النصُّ معمولًا بِهِ فِي مَنْعِ الحلقِ، حَتَّى يبلغَ الهديُ مَحِلَّهُ، فَحَيْثُ حَكَمَ بامتناعِ التحلُّلِ مِن العمرةِ، وعُلِّلَ بهذه العَلَّةِ دلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أجرى التقصيرَ مُجَرَى الحلقِ فِي امتناعِه قبلَ بلوغِ الهديِ مَحِلَّهُ، مَعَ أن النصَّ لم يدلَّ عَلَيْهِ بلفظِه، وإنما أُلْحِقََ بِهِ بالمعنى.
وقولُه: (( وحاضتْ عَائِشَةُ - إِلَى آخرِه ) )يدلُّ عَلَى امتناعِ الطوافِ عَلَى الحائضِ؛ إِمَّا لنفسِه، وَإِمَّا لملازمتِه لدخولِ المسجدِ، ويدلُّ عَلَى فِعْلِها لجميعِ أفعالِ الحجِّ إِلاَّ ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ الطهارةُ فِي بقيَّةِ الأعمالِ.
وقولُه: (( غيرَ أَنَّهَا لم تَطُفْ بالبَيْتِ ) ). فِيْهِ حذفٌ، تقديرُه: ولم تَسْعَ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ روايةٌ أخرى صحيحةٌ، ذُكِرَ فِيْهَا: (( أَنَّهَا بعدَ أنْ طَهُرَتْ طَافَتْ وَسَعَتْ ) ). ويُؤْخَذُ مِن هَذَا أنَّ السعيَ لاَ يصحُّ إِلاَّ بعدَ طوافٍ صحيحٍ، فَإِنَّهُ لَوْ صحَّ لَمَا لَزِمَ مِن تأخيرِ الطوافِ بالبيتِ تأخيرُ السعيِ، إذ هِيَ قَدْ فَعَلَت المناسكَ كُلَّها غيرَ الطوافِ بالبيتِ، فلولا اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطوافِ عَلَى السعيِ لَفَعَلَتْ فِي السعيِ مَا فعلتْ فِي غيرِه، وَهَذَا الحكمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أصحابِ الشَّافعيِّ ومالكٍ، وزادَ المالكيَّةُ قولًا آخرَ أنَّ السعيَ لابدَّ أن يكونَ بعدَ طوافٍ واجبٍ، وإنَّما صحَّ بعدَ طوافِ القدومِ - عَلَى هَذَا القولِ - لاعتقادِ هَذَا القائلِ وجوبَ طوافِ القدومِ.
وقولُها: (( يَنْطَلِقُونَ بحجٍّ وعُمْرَةٍ ) )تريدُ العُمْرَةَ التي فَسَخُوا الحجَّ إليها، والحجَّ الَّذِي أَنْشَئُوه مِن مَكَّةَ. وقولُها: (( وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ ) )يُشْعِرُ بأنها لم تحصلْ لَهَا العمرةُ، وَأَنَّهَا لم تَحِلَّ بفسخِ الحجِّ الأَوَّلِ إِلَى العمرةِ. وَهَذَا ظاهرٌ، إِلاَّ أنَّهُم لمَّا نَظَرُوا إِلَى رواياتٍ أخرى اقْتَضَتْ أن عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ؛ لأنه عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَها بِتَرْكِ عمرتِها، ونقضِ رأسِها، وامتشاطِها، والإهلالِ بالحجِّ لمَّا حاضتْ؛ لامتناعِ التحلُّلِ مِن العمرةِ بوجودِ الحيضِ، ومزاحمتِه وقتَ الحجِّ وحَمَلُوا أمرَه عَلَيْهِ السَّلامُ بتركِ العمرةِ عَلَى تركِ المُضِيِّ فِي أعمالِها, لاَ عَلَى رفضِها بالخروجِ مِنْهَا. وَأَهَلَّت بالحجِّ، مَعَ بقاءِ العمرةِ. فَكَانَتْ قارِنَةً - اقتضى ذَلِكَ: أنْ تكونَ قَدْ حصلَ لَهَا عمرةٌ، فأَشْكَلَ حينئذٍ قولُها: (( يَنْطَلِقُونَ بحجٍّ وعمرةٍ، وأَنْطَلِقُ بحجٍّ ) )إذ هِيَ أَيْضًا قَدْ حصلَ لَهَا حجٌّ وعمرةٌ، لِمَا تَقَرَّرَ مِن كونِها صارتْ قارِنَةً. فاحْتَاجُوا إِلَى تأويلِ هَذَا اللفظِ. فَأَوَّلُوا قولَها: (( يَنْطَلِقُونَ بحجٍّ وعمرةٍ، وأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ ) )عَلَى أن المرادَ يَنْطَلِقُونَ بحجٍّ مُفْرَدٍ عن عمرةٍ، وعمرةٍ مُنْفَرِدَةٍ عن حجٍّ. وأَنْطَلِقُ بحجٍّ غيرِ مُفْرَدٍ عِن عمرةٍ. فأَمَرَها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعمرةِ، ليَحْصُلَ لَهَا قصدُها فِي عمرةٍ مُفْرَدَةٍ عن حجٍّ، وحجٍّ مفردٍ عن عمرةٍ. هَذَا حاصلُ مَا قِيلَ فِي هَذَا, مَعَ أنَّ الظاهرَ خلافُه، بالنسبةِ إِلَى هَذَا الحديثِ، لَكِنِ الجمعُ بَيْنَ الرواياتِ ألجأَهُم إِلَى مثلِ هَذَا.
وقولُه: (( فأمرَ عبدَ الرحمنِ - إِلَى آخرِه ) ). يدلُّ عَلَى جوازِ الخَلْوَةِ بالمَحَارِمِ، وَلاَ خلافَ فِيْهِ. وقولُه: (( أنْ يخرُجَ معها إِلَى التنعيمِ ) ). يدلُّ عَلَى أن مَن أرادَ أن يُحْرِمَ بالعمرةِ مِن مكَّةَ لاَ يُحْرِمُ بِهَا مِن جوفِها، بل عَلَيْهِ الخروجُ إِلَى الحِلِّ، فإنَّ (( التنعيمَ ) )أدنى الحِلِّ، وَهَذَا مُعَلَّلٌ بقصدِ الجمعِ بَيْنَ الحلِّ والحَرَمِ فِي العمرةِ، كَمَا وقعَ ذَلِكَ فِي الحجِّ، فَإِنَّهُ جُمِعَ فِيْهِ بَيْنَ الحلِّ والحرمِ، فإنَّ (( عرفةَ ) )مِن أركانِ الحجِّ، وَهِيَ مِن الحلِّ.
واخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بالعمرةِ مِن مَكَّةَ، ولم يَخْرُجْ إِلَى الحلِّ: هَلْ يكونُ الطوافُ والسعيُ صحيحًا ويلزمُه دمٌ، أَوْ يكونُ باطِلًا؟ وَفِي مذهبِ الشَّافعيِّ خلافٌ. ومذهبُ مَالكٍ: أَنَّهُ لاَ يصحُّ. وَجَمَدَ بَعْضُ النَّاسِ فَشَرَطَ الخروجَ إِلَى التنعيمِ بعينِه. ولم يكتفِ بالخروجِ إِلَى مُطْلَقِ الحلِّ. ومَن علَّلَ بما ذَكَرْناه، وفَهِمَ المعنى - وَهُوَ الجمعُ بَيْنَ الحلِّ والحرمِ - اكتفى بالخروجِ إِلَى مُطْلَقِ الحلِّ.