المُعَدِّ لِلوُضُوءِ بِالضَّمِّ، وَبَيْنَ مَائِهِ المُسْتَعْمَلِ فِي الوُضُوءِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى؛ لأنَّهُ الحَقِيقَةُ، أَو الأقْرَبُ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَاسْتعَمَالُهُ بِمَعْنَى المُعَدِّ مَجَازٌ، والحَمْلُ عَلَى الحَقِيقَةِ أَو الأقْرْبِ إِلَى الحَقِيقَةِ أَولَى.
الثَّانِي: قَولُهُ: (( فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ) )، فِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ اليَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ مُطْلَقًا، وَالحَدِيثُ الَّذِي مَضَى يُفِيدُ اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ القِيَامِ مِنَ النَّومِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الفَرْقَ بَينَ الحُكْمَيْنِ، وَأَنَّ الحُكْمَ عِنْدَ عَدَمِ القِيَامِ الاسْتِحْبَابُ، وَعِنْدَ القِيَامِ الكَرَاهِيَةُ لإِدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا.
الثَّالِثُ: قَولُهُ: (( عَلَى يَدَيْهِ ) )، يُؤخَذُ مِنْهُ الإِفْرَاغُ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَقَد تَبَيَّنَ فِي رِوَايَةٍِ أُخْرى: (( أَنَّهُ أَفْرَغَ بِيَدِهِ اليُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَهُمَا ) ). قَوْلُهُ: (( غَسَلَهُمَا ) )قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كَونِهِ غَسَلَهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ أَو مُفْتَرِقَتَيْنِ، وَالفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا أيُّهُمَا أَفْضَلُ؟.
الرَّابِعُ: قَولُهُ: (( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) )، مُبَيِّنٌ لِمَا أُهْمِلَ مِن ذِكْرِ العَدَدِ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: (( إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ ) )مِن رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ أيضًا ذِكْرُ العَدَدِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الكِتَابِ.
الخَامِسُ: قَولُهُ: (( ثُمَّ تَمَضْمَضَ ) )، مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ اليَدَيْنِ وَالمَضْمَضَةِ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفَظَةِ مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَينَيْهِ، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ - أعْنِي المَضْمَضَةَ فِي الوُضُوءِ - لِتَحْريكِ المَاءِ فِي الفَمِ، وَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: (( المَضْمَضَةُ ) )أَنْ يَجْعَلَ المَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَمُجُّهُ - هَذَا أَو مَعْنَاهُ - فَأَدْخَلَ المَجَّ فِي حقِيقَةِ المَضْمَضَةِ، فَعَلَى هَذَا لَو ابْتَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤدِّيًا لِلسُّنَةِ، وَهَذَا الَّذِي يَكْثُرُ فِي أفْعَالِ المُتَوَضِّئيِنَ، [أَعْنِي الجَعْلَ وَالمَجَّ] ، ويُمكِنُ أَنْ يكُونَ ذِكَرُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الأَغْلَبُ وَالعَادَةُ، لا أَنَّهُ يَتَوقَّفُ تَأَدِّي السُّنَّةِ عُلُى مَجِّهِ، وُاللهُ أَعْلَمُ.
السَّادَسُ: قَولُهُ: (( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ) )، دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيِبِ بَيْنَ غَسْلِ الوَجْهِ وَالمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنشَاقِ، وَتَأَخُّرِهِ عَنهُمَا، فَيُؤْخَذُ مِنهُ التَّرْتيِبُ بَيْنَ المَفْرُوضِ وَالمَسْنُونَ، وَقَدْ قَيلَ فِي حِكْمَةِ تَقْدِيمِ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ عَلَى غَسْلِ الوَجْهِ المَفْرُوضِ: إنَّ صِفَاتِ المَاءِ ثَلَاثٌ - أَعْنِي المُعْتَبَرَةَ فِي التَّطْهِيرِ - لَونٌ يُدْرَكُ بَالبَصَرِ، وَطَعْمٌ يُدْرَكُ بِالذَّوقِ، وَرِيحٌ يُدْرَكُ بِالشَّمِّ، فقُدِّمَتْ هَاتَانِ السُّنَتَانِ لِيُخْتَبَرَ حَالُ المَاءِ قَبْلَ أَدَاءِ الفَرْضِ بِهِ، وبَعْضُ الفُقَهَاءِ رَأَى التَّرْتيِبَ بَيْنَ المَفْرُوضَاتِ، وَلَمْ يَرَهُ بَيْنَ المَفْرُوضِ وَالمَسْنُونِ، كَمَا بَيَّنَ المَفْرُوضَاتِ. وَ (( الوَجْهُ ) )مُشْتَقٌّ مِن المُوَاجَهَةِ، وَقَد اعْتبَرَ الفُقَهَاءُ هَذَا الاشْتِقَاقَ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَحْكَامًا. وَقَولُهُ: (( ثَلَاثًا ) )يُفيِدُ اسْتِحْبَابَ هَذَا العَدَدِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرِ فِيْهِ.
السَّابِعُ: قَولُهُ (( وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ) )المِرْفَقُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِفَتْحِ المِيمِ وَكَسْرِ الفَاءَ. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ، لُغَتَانِ. وَقَولُهُ: (( إِلَى المِرْفَقَيْنِ ) )لَيْسَ فِيهِ إِفْصَاحٌ بِكَونِهِ أَدْخلَهُمَا فِي الغَسْلِ، أَو انْتَهَى إليْهِمَا، وَالفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وجُوُبِ إدْخَالِهِمَا فِي الغَسْلِ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ الوُجُوبُ، وَخَالَفَ زُفَرُ وَغْيْرُهُ. وَمَنْشَأُ الاخْتِلَافِ فِيهِ أَنَّ كَلِمَةَ (( إِلَى ) )المَشْهُورُ فِيهَا أنَّهَا لاِنتِهَاءِ الغَايَةِ، وَقَد تَرِدُ بِمَعْنَى (( مَعَ ) )فَمِن النَّاسِ مَن حَمَلَهَا عَلَى مَشْهُورِهَا، فَلَمْ يُوجِبْ إِدْخَالَ المِرْفقَيْنِ فِي الغَسْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَعْنَى