فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 381

(( مَعَ ) )، فَأَوْجَبَ إِِدْخَالَهَا.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ أََنْ تَكُونَ الغَايَةُ مِن جِنْسِ مَا قَبْلَهَا أَوْ لا، فَإِنْ كَانَتْ مِن الجِنْسِ دَخَلَتْ، كَمَا فِي آيَةِ الوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَتْ مِن غَيْرِ الجِنْسِ لَمْ تَدْخُلْ، كَمَا فِي قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البَقَرَةُ: 187] . وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا دَخَلَ المِرْفَقَانِ هَهُنا لأَنَّ (( إِلَى ) )هَهُنا غَايَةٌ للإِخْرَاجِ، لا للإِدْخَالِ، فَإِنَّ اسمَ (( اليَدِ ) )يَنْطَلِقُ عَلَى العُضْوِ إِلَى المَنْكِبِ، فَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الغَايَةُ لَوَجَبَ غَسْلُ اليَدِ إِلَى المَنْكِبِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ أَخْرَجَتْ عَن الغَسْلِ مَا زَادَ عَلَى المِرْفَقِ، فَانْتَهَى الإِخْرَاجُ إِلَى المِرْفَقِ، فَدَخَلَ فِي الغَسْلِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَمَّا تَرَدَّدَ لَفْظُ (( إِلَى ) )بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِلغَايَةِ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (( مَعَ ) )، وَجَاءَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ (( أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ) )، كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلمُجْمَلِ، وَأفْعَالُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِ الوَاجِبِ المُجْمَلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ، وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ (( إِلَى ) )حَقِيقَةٌ فِي انتِهَاءِ الغَايَةِ، مَجَازٌ بِمَعْنَى (( مَعَ ) )وَلا إِجْمَالَ فِي اللَّفْظِ بَعْدَ تَبَيُّنِ حَقِيقَتِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى أنَّها حَقِيقَةٌ فِي انتِهَاءِ الغَايَةِ كَثْرَةُ نُصُوصِ أَهْلِ العَرَبيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّها بِمَعْنَى (( مَعَ ) )، فلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّها حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُريدَ المَجَازَ.

الثَّامِنُ: قَولُهُ: (( ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ) )ظَاهِرُهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالمَسْحِ؛ لأَنَّ اسْمَ (( الرَّأْسِ ) )حَقِيقَةٌ فِي العُضْوِ كُلِّهِ. وَالفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي القَدْرِ الوَاجِبِ مِن المَسْحِ، وَلَيْسَ فِي الحَديثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ؛ لأَنَّهُ فِي آخِرِهِ إِنَّمَا ذُكِرَ تَرتِيبُ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى هَذِهِ الأفْعَالِ، وَلَيسَ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ الصِّحَّةِ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍٍ مِن تِلْكَ الأَفْعَالِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوَابُ مُرَتَّبًا عَلَى إِكْمَالِ مَسْحِ الرَّأسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إِكْمَالُهُ، كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَاجِبيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الفُقَهَاءِ، أَو الأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ.

فَإِنْ سَلَكَ سَالِكٌ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي المِرْفَقَيْنِ - مِن ادِّعَاءِ الإِجْمَالِ فِي الآيَةِ، وَأَنَّ الفِعْلَ بَيَانٌ لَهُ - فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ مِن الآيَةِ مُبيِّنٌ، إِمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ المُرَادُ مُطْلَقَ المَسْحِ، عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُقتَضَى البَاءِ فِي الآيَةِ التَّبْعِيضُ [أَو غَيْرُ ذَلِكَ] ، أوْ عَلَى أنَّ المُرَادَ الكُلُّ، عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ، بِنَاءً عَلَى أنَّ اسْمَ (( الرَّأْسِ ) )حَقِيقَةٌ فِي الجُمْلَةِ، وَأَنَّ (( البَاءَ ) )لا تُعَارِضُ ذَلِكَ، وَكَيفَمَا كَانَ فَلَا إِجْمَالَ.

التَّاسِعُ: قَولُهُ: (( ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ) )، صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِي أَنَّ وَاجِبَ الرِّجْلَيْنِ المَسْحُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا مِن حَدِيثِ عُثمَانَ، وَجَمَاعَةٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِن أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بنِ عَبْسَةَ - بِفَتْحِ العَيْنِ وَالبَاءِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ ) )إِلَى أَنْ قَالَ: (( ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) )، فَمِن هَذَا الحَدِيثِ انْضَمَّ القَولُ إِلَى الفِعْلِ، وَتبَيَّنَ أَنَّ المَأْمَورَ بِهِ الغَسْلُ فِي الرِّجْلَينِ.

العَاشِرُ: قَولُهُ: (( ثَلَاثًا ) )يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَينِ ثَلَاثًا، وَبَعْضُ الفُقَهَاءِ لا يَرى هَذَا العَدَدَ فِي الرِّجْلِ، كَمَا فِى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت