فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 381

غَيْرِهَا مِن الأَعْضَاءِ، وَقَد وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنقَاهُمَا ) )، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، فَاسْتُدِلَّ بِهِ لِهَذَا المَذْهَبِ، وَأُكِّدَ مِن جِهَةِ المَعْنَى بِأَنَّ الرِّجْلَ لِقُرْبِهَا مِن الأرْضِ فِي المَشْي عَليْهَا يَكْثُرُ فِيهَا الأَوْسَاخُ والأدْرَانُ، فَيُحَالُ الأَمْرُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الإِنْقَاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبَارِ العَدَدِ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا العَدَدُ زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، فَالأَخْذُ بِهَا مُتَعَيِّنٌ، وَالمَعْنَى المَذكُورُ لا يُنَافِي اعْتِبَارَ العَدَدِ، فَلْيُعْمَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ (( مِثْلَ ) ).

الحَادِي عَشَرَ: قَولُهُ: (( نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ) )لَفْظَةُ: (( نَحْوَ ) )لا تُطَابِقُ لَفْظَةَ (( مِثْلَ ) )، فَإِنَّ لَفْظَةَ (( مِثْلَ ) )يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا المُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إِلَّا فِي الوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ الحَقِيقَتَيْنِ، بِحَيْثُ يُخْرِجُهُمَا عَن الوَحْدَةِ، وَلفْظَةُ: (( نَحْوَ ) )لا تُعْطِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهَا اسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى المِثْلِ مَجَازًا، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِمَّا يَقتَضِي المِثْلِيَّةَ إِلَّا مَا لا يَقْدَحُ فِي المَقْصُودِ، يَظْهَرُ فِي الفِعْلِ المَخْصُوصِ أَنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ مُلْغَاةٌ عَن الاعْتِبَارِ فِي المَقْصُودِ مِن الفِعْلِ، فَإِذَا تُرِكَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ مُمَاثِلًا حَقِيقَةً لِذَلِكَ الفِعْلِ، ولمْ يَقْدَحْ تَرْكُهَا فِي المَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ رَفْعُ الحَدَثِ، وَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ.

وَإنَّمَا احْتَجْنَا إِلَى هَذَا وَقُلْنَا بِهِ؛ لأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ ذُكِرَ لِبَيَانِ فِعْلٍ يُقْتَدَى بِهِ، وَيَحْصُلُ الثَّوَابُ المَوْعُودُ عَلَيْهِ، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ الوُضُوءُ المَحْكِيُّ المَفْعُولُ مُحَصِّلًا لِهَذَا الغَرَضِ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ (( نَحْوَ ) )في حَقِيقَتِها، مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ المَقْصُودِ، لا بِمَعْنَى (( مِثْلَ ) )، أَوْ يَكُونُ تَرَكُ مَا عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ لا يُخِلُّ بِالمَقْصُودِ، فَاسْتَعْمَلَ (( نَحْوَ ) )فِي (( مِثْلَ ) )مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ المَقْصُودِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ يَتَرتَّبُ عَلَى مُقَارَنَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ، تَسْهِيلًا وَتَوْسِيعًا عَلَى المُخَاطَبِينَ، مِن غَيْرِ تَضْيِيقٍ، وَنُقَيِّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أوَّلًا، إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ أَقرَبُ إِلَى مَقْصُودِ البَيَانِ.

الثَّانِي عَشَرَ: هَذَا الثََّوَابُ المَوعُودُ بِهِ يَتَرتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الوُضُوءُ عَلَى النَّحْوِ المَذْكُورِ. وَالثَّانِي: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ بَالوَصْفِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ فِي الحَدِيثِ، وَالمُرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ، لا يَلْزَمُ تَرتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ. وَقَدْ أَدْخَلَ قَومٌ هَذَا الحَدِيثَ فِي فَضْلِ الوُضُوءِ، وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ هَذَا السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ الشَّيءِ جُزْءًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ العَظِيمُ، كَافٍ فِي كَوْنِهِ ذَا فَضْلٍ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنْ كَوْنِ الحَدِيثِ دَالاًّ عَلَى فَضِيلَةِ الوُضُوءِ، وَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الفَرْقُ بَيْنَ حُصُولِ الثُّوابِ المَخصُوصِ، وَحُصُولِ مُطْلَقِ الثَّوابِ، فَالثَّوابُ المَخْصُوصُ يَتَرتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ الوُضُوءِ عَلَى النَّحْوِ المَذْكُورِ، وَالصَّلَاةِ المَوصُوفَةِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ، ومُطْلقُ الثَّوَابِ قَدْ يَحْصُلُ بِِمَا دُونَ ذَلِكَ.

الثَّالِثُ عَشَرَ: قَولُهُ: (( لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ ) )، إِشَارةٌ إِلَى الخَوَاطِرِ وَالوَسَاوِسِ الوَارِدَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَهْجُمُ هَجْمًا يَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ عَن النَّفْسِ. وَالثَّانِي: مَا تَسْتَرْسِلُ مَعَهُ النَّفْسُ، وَيُمْكِنُ قَطْعُهُ وَدَفْعُهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الحَدِِيثُ عَلَى هَذَا النَّوعِ الثَّانِي، فَيَخْرُجُ عَنْهُ النَّوعُ الأَوَّلُ، لِعُسْرِ اعْتِبَارِهِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ لَفْظَةُ: (( يُحَدِّثُ نَفْسَهُ ) )، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ وَتَفَعُّلًا لِهَذَا الحَدِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّوعَينِ مَعًا، إِلَّا أنَّ العُسْرَ إنَّمَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت