فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 381

البَحْثُ الثَّانِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: أمْرٌ يَرْجِعُ إلى المُفاضَلَةِ بينَ صَلاةِ الجماعةِ فِي المَسَاجِدِ والانْفِرادِ. وهلْ يَحْصُلُ للمُصَلِّي فِي البُيُوتِ جَمَاعةً هَذَا المِقدارُ مِن المُضَاعَفَةِ أمْ لا؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِن إطْلاقِهِمْ: حُصُولُهُ. وَلَسْتُ أَعْنِي أَنَّهُ لا تَفْضُلُ صَلاةُ الجَمَاعَةِ فِي البَيْتِ عَلَى الانْفِرَادِ فِيهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لا شَكَّ فِيهِ. إنَّمَا النَّظَرُ: فِي أَنَّهُ هَل يَتَفَاضَلُ بِهَذَا القَدْرِ المَخْصُوصُ أم لا؟ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ هَذَا القَدْرِ المَخصُوصِ مِن الفَضِيلَةِ: عَدَمُ حُصُولِ مُطْلَقِ الفَضِيلَةِ. وَإنَّما تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إِقَامَةَ الجَمَاعَةِ فِي غَيرِ المَسَاجِدِ هَل يتَأدَّى بِهَا المَطْلُوبُ؟ فَعَنْ بَعْضِهِم: أنَّهُ لا يَكْفِي إقَامَةُ الجمَاعةِ فِي البُيُوتِ فِي إقَامَةِ الفَرْضِ، أَعْنِي إذا قُلْنَا: إنَّ صَلاةَ الجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايةِ. وَقالَ بَعْضُهُم: يَكْفِي إذَا اشْتَهَرَ، كَمَا إِذَا صَلَّى صَلاةَ الجَمَاعةِ فِي السُّوقِ مَثَلًا. وَالأوَّلُ عِنْدِي أصَحُّ. لأنَّ أَصْلَ المَشْرُوعِيَّةِ إنَّما كَانَ فِي جَمَاعَةِ المَسَاجِدِ. هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لا يَتَأتَّى إلغَاؤُهُ. وَلَيْسَت هَذه المَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي صَدَّرْنَا بِهَا هَذَا البَحْثَ أَوَّلًا. لأنَّ هذه نَظْرةٌ فِي أنَّ إِقَامةَ الشِّعارِ هلْ تَتَأدَّى بِصَلاةِ الجَمَاعَةِ فِي البُيُوتِ أم لا؟ وَالَّذِى بَحَثْنَاهُ أوَّلًا: هُوَ أَنَّ صَلاةَ الجَمَاعَةِ فِي البَيْتِ هَل تَتَضَاعَفُ بِالقَدْرِ المَخْصُوصِ أم لا؟

البَحْثُ الثَّالِثُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: (( صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ ) )، يتَصَدَّى النَّظرُ هُنا: هلْ صلاتُهُ فِي جَماعةٍ فِي المَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً، أو تَفْضُلُ عَلَيهَا مُنْفَرِدًا؟. أَمَّا الحَدِيثُ: فَمُقْتضَاهُ أنَّ صَلاتَهُ فِي المَسْجدِ جَمَاعةً تَفْضُلُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِه وَسُوقِهِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِهَذَا القَدْرِ. لأنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: (( صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ ) )مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلاةِ فِي المَسْجِد. لأنَّهُ قُوبِلَ بِالصَّلاةِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ. وَلو جَريْنَا عَلَى إطْلاقِ اللَّفظِ: لَم تَحصُلِ الْمُقابلةُ. لأنَّهُ يكونُ قَسمَ الشَّيءَ قِسْمًا مِنْهُ. وهوَ بَاطِلٌ. وَإذَا حُمِلَ عَلَى صَلاتِهِ فِي المَسْجِدِ، فَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: (( صَلاتُهُ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ ) )عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الأفْرَادَ وَالجَمَاعَةَ. وَقَد أَشَارَ بَعْضُهمْ إِلى هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلى الانْفِرَادِ فِي المَسْجِدِ وَالسُّوقِ مِن جِهَةِ مَا وَرَدَ أَنَّ (( الأسْوَاقَ مَوضِعُ الشَّيَاطِينِ ) )، فَتَكُونُ الصَّلاةُ فِيهَا نَاقِصَةُ الرُّتْبةِ، كَالصَّلاةِ فِي المَواضِعِ المَكْرُوهَةِ لأَجْلِ الشَّياطِينِ، كالحَمَّامِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - وَإنْ أَمْكَنَ فِي السَّوقِ - لَيسَ يَطَّرِدُ فِي البَيتِ. فَلا يَنْبَغِي أَنْ تَتَساوَى فَضِيلَةُ الصَّلاةِ فِي البَيتِ جَمَاعَةً مَع فَضِيلَةِ الصَّلاةِ فِي السُّوقِ جَمَاعةً، فِي مِقْدَارِ الفَضِيلَةِ الَّتِي لا تُوجَدُ إِلَّا بِالتَّوقِيفِ. فَإِنَّ الأَصْلَ: أَنْ لا يَتَسَاوَى مَا وُجِدَ فِيهِ مَفْسَدةٌ مُعيَّنَةٌ مَعَ مَا لَم تُوجَدْ فِيهِ تِلكَ المَفْسَدَةُ.

هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُقْتَضى اللَّفظِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ: أنَّ المُرَادَ تَفْضِيلُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ فِي المَسجدِ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ مُنْفِردًا: فكأنَّهُ خَرجَ مخْرجَ الغالبِ فِي أنَّ مَن لمْ يحْضُر الجماعةَ فِي المسجدِ صَلَّى مُنفرِدًا.

وَبِهَذَا يرتَفِعُ الإشْكالُ الَّذِي قدَّمناهُ من استبْعادِ تَساوِي صلاتِهِ فِي البيتِ معَ صلاتِهِ فِي السُّوقِ جماعةً فيهما، وذلكَ لأنَّ مَن اعتَبَرَ مَعْنَى السُّوقِ، معَ إقامةِ الجماعةِ فِيهِ. وجَعَلَهُ سَببًا لنُقْصانِ الجماعةِ فيهِ عن الجماعةِ فِي المسجدِ. يَلْزَمُهُ تساوي ما وُجِدَتْ فِيهِ مَفْسَدةٌ مُعتبَرةٌ معَ ما لمْ تُوجَدْ فيهِ تلكَ المَفْسَدةُ فِي مِقدارِ التَّفاضلِ. أمَّا إذا جَعَلنَا التَّفَاضُلَ بينَ صلاةِ الجماعةِ فِي المسجدِ وَصلاتِهَا فِي البيتِ والسُّوقِ مُنْفَردًا، فَوَصْفُ (( السُّوقِ ) )هَهُنا مُلْغَىً، غيرُ مُعْتَبرٍ. فلا يلزمُ تساوي ما فيهِ مفسدةٌ معَ ما لا مفْسدةَ فيهِ فِي مِقدارِ التَّفاضُلِ. والَّذِي يُؤيِّدُ هَذَا: أَنَّهُم لَم يَذْكُروا السُّوقَ فِي الأماكنِ المَكْرُوهَةِ للصَّلاةِ. وَبِهَذَا فَارقَ الحَمَّامُ المُسْتَشْهَدُ بِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت