فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 381

فيه مسائلُ، الأُولَى: قد يَدُلُّ الحديثُ على انقسامِ الذُّنوبِ إلى صغائرَ وكبائرَ. وعليه أيضًا يَدُلُّ قولُهُ تعالَى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) "النِّسَاءُ: مِن الآيةِ 31"وفي الاستدلالِ بهذا الحديثِ على ذلكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَن قالَ:"كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ"فالكبائرُ والذُّنوبُ عندَه مُتَوَارِدَانِ على شيءٍ واحدٍ. فيصيرُ كأنَّه قيلَ: ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأكبرِ الذُّنوبِ. وعن بعضِ السَّلفِ: أنَّ كلَّ مَا نهَى اللهُ عزَّ وجلَّ عنه فهوَ كبيرةٌ. وظاهرُ القرآنِ والحديثِ على خِلَافِهِ. ولعلَّه أخذَ"الْكَبِيرةَ"باعتبارِ الوضعِ اللُّغويِّ ونَظَرَ إلى عِظَمِ المخالفةِ للأمرِ والنَّهيِ. وسمَّى كلَّ ذنبٍ كبيرةً.

الثَّانيةُ: يَدُلُّ على انقسامِ الكبائرِ في عِظَمِهَا إلى كبيرٍ وأكبرَ، لقولِهِ علَيْه السَّلامُ:"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟"وذلكَ بِحَسْبِ تفاوتِ مَفَاسِدِهَا. ولا يَلْزَمُ من كَوْنِ هذه أكبرَ الكبائرِ اسْتِوَاءُ رُتَبِهَا أيضًا في نفسِها، فإنَّ الإشراكَ باللهِ أعظمُ كبيرةً من كلِّ مَا عدَاهُ من الذُّنوبِ المذكورةِ في الأحاديثِ الَّتي ذُكِرَ فيها الكبائرُ.

الثالثةُ: اختلفَ الناسُ في الكبائرِ، فمنهمْ مَن قَصَدَ تعريفَهَا بِتِعْدَادِهَا. وذَكَرُوا في ذلكَ أعدادًا من الذُّنوبِ ومَن سلكَ هذه الطريقةَ فَلْيَجْمَعْ مَا وَرَدَ في ذلكَ في الأحاديثِ، إِلَّا أنَّه لا يستفيدُ بذلكَ الْحَصْرِ. ومن هذا قيلَ: إنَّ بعضَ السَّلفِ قيلَ له:"إنَّها سَبْعٌ"فقالَ:"إنَّها إلى السَّبعِينَ أقربُ منها إلى السَّبْعِ"ومنهمْ مَن سلكَ طريقَ الْحَصْرِ بالضَّوابطِ، فقيلَ عن بعضِهِمْ: إنَّ كلَّ ذنبٍ قُرِنَ به وَعِيدٌ، أو لَعْنٌ، أو حَدٌّ فهوَ من الكبائرِ. فَتَغْيِيرُ مَنَارِ الأرضِ كبيرةٌ؛ لاقترانِ اللَّعْنِ بهِ. وكذَا قَتلُ المؤمنِ؛ لاقترانِ الوعيدِ بهِ. وَالْمُحَارَبَةُ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةُ وَالْقَذْفُ كبائرُ؛ لاقترانِ الحدودِ بها، واللَّعْنَةِ ببعضِهَا. وسَلَكَ بعضُ الْمُتَأَخِّرِينَ طريقًا. فقالَ: إذا أردْتَ معرفةَ الفرقِ بَيْنَ الصَّغائرِ والكبائرِ فَاعْرِضْ مَفْسَدَةَ الذَّنبِ على مفاسدِ الكبائرِ المنصوصِ عليْهَا. فإنْ نَقَصَتْ عن أقلِّ مَفَاسِدِ الكبائرِ، فهيَ من الصَّغائرِ. وإنْ ساوَتْ أَدْنَى مَفَاسِدِ الكبائرِ، أو أَرْبَتْ عليْهِ، فهيَ من الكبائرِ، وَعَدَّ من الكبائرِ: شَتْمُ الرَّبِّ تباركَ وتعالَى، أو الرَّسولِ، والِاسْتِهَانَةُ بالرُّسلِ، وتكذيبُ واحدٍ منهمْ، وَتَضْمِيخُ الكعبةِ بِالْعَذِرَةِ، وإلقاءُ المصحفَ في القاذوراتِ، فهذا من أكبرِ الكبائرِ، ولم يُصَرِّح الشَّرعُ بأنَّهُ كبيرةٌ، وهذا الَّذي قالَهُ داَخِلٌ عندِي فيمَا نصَّ عليه الشَّرعُ بالكفرِ. إنْ جعلْنَا المُرادَ بالإشراكِ باللهِ مُطْلقَ الْكُفْرِ، على مَا سَنُنَبِّهُ عليه. ولا بُدَّ -معَ هذا- من أمريْنِ:

أحدُهُمَا: أنَّ الْمَفْسَدَةَ لا تُؤْخَذُ مُجَرَّدَةً عمَّا يَقْتَرِنُ بها من أمرٍ آخرَ؛ فإنَّه قد يقعُ الغلطُ في ذلكَ. ألَا تَرَى أنَّ السَّابقَ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَفْسَدَةَ الخمرِ: السُّكْرُ وَتَشْوِيشُ العقلِ، فإنْ أخذْنَا هذا بِمُجَرَّدِهِ. لَزِمَ منه أنْ لا يكونَ شُرْبُ الْقَطْرَةِ الواحدةِ كبيرةً، لِخَلَائِهَا عن الْمَفْسَدَة ِالمذكورةِ لكنَّها كبيرةٌ فإنَّها -وإنْ خَلَتْ عن الْمَفْسَدَةِ المذكورةِ- إِلَّا أنَّه يَقْتَرِنُ بها مَفْسَدَةُ الإقدامِ وَالتَّجَرُّؤِ على شُرْبِ الكثيرِ الْمُوقِعِ في الْمَفْسَدَةِ، فبهذا الاقترانِ تَصِيرُ كبيرةً.

والثَّانِي: أَنَّا إذا سَلَكْنَا هذا الْمَسْلَكَ فقد تكونُ مَفْسَدَةُ بعضِ الوسائلِ إلى بعضِ الكبائرِ مُسَاوِيًا لبعضِ الكبائرِ، أو زائدًا عليهَا. فإنَّ مَن أَمْسَكَ امرأةً مُحْصَنَةً لمَن يَزْنِي بهَا، أو مسلمًا معصومًا لمَن يقتلُهُ، فهوَ كبيرةٌ أعظمُ مَفْسَدَةً من أَكْلِ مالِ الرِّبَا، أو أكْلِ مالِ اليتيمِ، وهُمَا منصوصٌ عليهما. وكذلكَ لو دَلَّ على عَوْرَةٍ من عَوْرَاتِ المسلمينَ تُفْضِي إلى قَتْلِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَخْذِ أموالِهِمْ، كانَ ذلكَ أعظمَ من فرارِهِ من الزَّحفِ، والفرارُ من الزَّحفِ منصوصٌ عليه، دونَ هذه. وكذلكَ تفعلُ -على هذا القولِ الذي حَكَيْنَاهُ من أنَّ الكبيرةَ مَا رُتِّبَ عليها اللَّعْنُ، أو الحَدُّ، أو الوَعِيدُ- فَتُعْتَبَرُ الْمَفَاسِدُ بالنِّسبةِ إلى مَا رُتِّبَ عليه شيئًا من ذلكَ، فما ساوَى أَقَلَّها، فهوَ كبيرةٌ، وما نَقَصَ عن ذلكَ فليسَ بكبيرةٍ.

الرَّابعةُ: قولُهُ عليهِ السلامُ:"الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ"يُحْتَمَلُ أنْ يُرَادَ به مُطْلَقُ الكفرِ، فيكونُ تخصيصُهُ بالذِّكرِ لِغَلَبَتِهِ في الوجودِ، لا سِيَّمَا في بلادِ العربِ، فَذُكِرَ تنبيهًا على غيرِهِ. وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرَادَ بهِ: خُصُوصُهُ، إلَّا أنَّه يُرَدُّ على هذا الاحتمالِ: أنَّهُ قد يظهرُ أنَّ بعضَ الكفرِ أعظمُ قُبْحًا من الإشراكِ. وهوَ كفرُ التَّعْطِيلِ. فبهذا يَتَرَجَّحُ الاحتمالُ الأوَّلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت