فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 381

ورُبَّمَا اعْتُرِضَ عَلَى الأوَّلِ بأنَّ حقيقَةَ التَّفرُّقِ لاَ تختصُّ بالمكانِ، بلْ هِيَ عائدةٌ إِلَى مَا كَانَ الاجتماعُ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الاجتماعُ فِي الأقوالِ، كَانَ التَّفرُّقُ فِيهَا، وإن كَانَ فِي غيرِهَا، كَانَ التفرُّقُ عَنْهُ.

وأُجِيبَ عَنْهُ بأنَّ حملَه عَلَى غيرِ المكانِ بقرينةٍ، يكونُ مجازًا.

الوجهُ الثَّامنُ: قَالَ بعضُهم: تعذَّرَ العملُ بظاهرِ الحديثِ، فَإِنَّهُ أَثبتَ الخيارَ لكلِّ واحدٍ من المتبايعينِ عَلَى صاحبِه، فالحالُ لاَ تخلُو إِمَّا أن يتَّفِقَا فِي الاختيارِ، أَوْ يختلفَا، فإن اتَّفَقَا لم يثبتْ لواحدٍ منهمَا عَلَى صاحبِه خيارٌ، وإن اختلفَا - بأن اختارَ أحدُهمَا الفسخَ والآخرُ الإِمضاءَ - فَقَدْ استحالَ أن يَثْبُتَ عَلَى كلِّ واحدٍ منهمَا لصاحبِهِ الخيارُ؛ إذ الجمعُ بَيْنَ الفسخِ والإِمضاءِ مستحيلٌ، فيلزمُ تأويلُ الحديثِ، وَلاَ نحتاجُ إليهِ، ويكفينَا صدُّكم عنِ الاستدلالِ بالظَّاهرِ.

وأُجِيبَ عَنْهُ بأن قيلَ: لم يُثْبِتْ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلقَ الخيارِ، بل أَثْبَتَ الخيارَ، وسكتَ عمَّا فِيهِ الخيارُ، فنحنُ نَحْمِلُُه عَلَى خيارِ الفسخِ، فيثبتُ لكلِّ واحدٍ منهمَا خيارُ الفسخِ عَلَى صاحبِه، وإن أَبَى صاحبُه ذَلِكَ.

الوجهُ التَّاسعُ: ادِّعاءُ أَنَّهُ حديثٌ منسوخٌ، إِمَّا لأنَّ علماءَ المدينةِ أجمعُوا عَلَى عدمِ ثبوتِ خيارِ المجلسِ، وَذَلِكَ يدلُّ عَلَى النَّسخِ، وَإِمَّا لحديثِ اختلافِ المُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنَّهُ يقتضِي الحاجةَ إِلَى اليَمينينِ، وَذَلِكَ يستلزمُ لزومَ العقدِ، فَإِنَّهُ لَوْ ثبتَ الخيارُ لكان كافيًا فِي رفعِ العقدِ عندَ الاختلافِ، وَهُوَ ضعيفٌ جِدًّا.

أَمَّا النسخُ لأجلِ عملِ أهلِ المدينةِ، فَقَدْ تكلَّمْنَا عَلَيْهِ، والنَّسخُ لاَ يَثْبُتُ بالاحتمالِ، وَمُجرَّدُ المخالفةِ لاَ يلزمُ مِنْهُ أن يكونَ للنَّسخِ، لِجَوازِ أن يكونَ التقديمُ لدليلٍ آخرَ راجحٍ فِي ظنِّهِم عندَ تَعَارُضِ الأدلَّةِ عندَهم.

وَأَمَّا حديثُ (( اختلافِ المُتَبَايِعَيْنِ ) ). فالاستدلالُ بِهِ ضعيفٌ جِدًّا؛ لأنه مُطْلَقٌ أَوْ عامٌّ بالنسبةِ إِلَى زَمَنِ التَّفَرُّقِ وزَمَنِ المجلسِ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا بعدَ التَّفَرُّقِ، وَلاَ حاجةَ إِلَى النسخِ، والنسخُ لاَ يصارُ إليه إِلاَّ عندَ الضرورةِ.

الوجهُ العاشرُ: حملُ (( الخيارِ ) )عَلَى خيارِ الشراءِ، أَوْ خيارِ إلحاقِ الزيادةِ بالثمنِ، أَوْ المُثَمَّنِ، وَإِذَا تردَّدَ لم يَتَعَيَّنْ حملُه عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بأنَّ حَمْلَهُ عَلَى خيارِ الفَسْخِ أَوْلَى؛ لوجهينِ: أحدُهما: أنَّ لفظةَ (( الخيارِ ) )قَدْ عُهِدَ استعمالُها مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خيارِ الفسخِ، كَمَا فِي حديثِ حبَّانَ بِن مُنْقِذٍ: (( ولكَ الخيارُ ) ). فالمرادُ مِنْهُ خيارُ الفَسْخِ، وحديثُ المُصَرَّاةِ: (( فَهُوَ بالخيارِ ثلاثًا ) ). والمرادُ خيارُ الفسخِ، فَيُحْمَلُ الخيارُ المذكورُ ههنا عَلَيْهِ؛ لأنه لمَّا كَانَ معهودًا من النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أظهرَ فِي الإِرادةِ.

الثَّانِي: قيامُ المانعِ مِن إرادةِ كلِّ واحدٍ مِن الخيارينِ، أَمَّا خيارُ الشراءِ؛ فلأن المرادَ مِن اسمِ (( المُتَبَايِعَيْنِ ) )المتعاقدانِ، والمتعاقدانِ مَنْ صدَرَ منهما العقدُ، وبعدَ صُدُورِ العقدِ منهما لاَ يكونُ لهما خيارُ الشراءِ، فضلًا عن أن يكونَ لهما ذَلِكَ إِلَى أوانِ التفرُّقِ.

وَأَمَّا خيارُ إلحاقِ الزيادةِ بالثمنِ أَوْ بالمُثَمَّنِ، فَلاَ يمكنُ الحملُ عَلَيْهِ عندَ من يرى ثبوتَه مطلقًا، أَوْ عدمَه مطلقًا؛ لأن ذَلِكَ الخيارَ إن لم يكنْ لهما، فَلاَ يكونُ لهما إِلاَّ أوانَ التفرُّقِ، وإن كَانَ، فيبقى بعدَ التفرُّقِ عن المجلسِ، فكيفما كَانَ لاَ يكونُ ذَلِكَ الخيارُ لهما ثابتًا، مُغَيًّا إِلَى غايةِ التفرُّقِ، والخيارُ المُثْبَتُ بالنصِّ ههنا هُوَ خيارٌ مُغَيًّا إِلَى غايةِ التفرُّقِ، ثُمَّ الدليلُ عَلَى أنَّ المُرَادَ مِن الخيارِ هَذَا، ومِن المُتَبَايِعَيْنِ مَا ذُكِرَ أن مالكًا نُسِبَ إِلَى مُخَالَفَةِ الحديثِ، وَذَلِكَ لاَ يصحُّ إِلاَّ إِذَا حُمِلَ (( الخيارُ ) (( المُتَبَايِعَانِ ) (( الافتراقُ ) )عَلَى مَا ذُكِرَ، هكذا قَالَ بَعْضُ النُّظَّارِ، إِلاَّ أَنَّهُ ضعيفٌ؛ فإنَّ نِسْبَةَ مَالكٍ إِلَى ذَلِكَ ليستْ من كلِّ الأُمَّةِ وَلاَ أكثرِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت