وَأَمَّا الثانيةُ: فلأن المُعْتَمَدَ فِي الروايةِ عَلَى عدالةِ الراوي وجزمِه بالروايةِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وعدمُ نقلِ غيرِه لاَ يَصْلُحُ مُعَارِضًا، لجوازِ عدمِ سماعِه للحكمِ، فإن الرسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَلِّغُ الأحكامَ للآحادِ والجماعةِ، وَلاَ يلزمُ تَبْلِيغُ كلِّ حُكْمٍ لجميعِ المُكَلَّفِينَ، وَعَلَى تقديرِ السماعِ، فجائزٌ أن يَعْرِضَ مانعٌ مِن النقلِ، أعني: نَقْلَ غيرِ هَذَا الراوي، فإنَّما يكونُ مَا ذَكَرَ إِذَا اقْتَضَت العادةُ أن لاَ يَخْفَى الشيءُ عَن أهلِ التواترِ، وليست الأحكامُ الجزئيةُ من هَذَا القبيلِ.
الوجهُ الثالثُ مِن الاعتذاراتِ: هَذَا حديثٌ مُخَالِفٌ للقياسِ الجليِّ، والأصولِ القياسيةِ المقطوعِ بِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يُعْمَلُ بِهِ، أَمَّا الأَوَّلُ فَنَعْنِي بِمُخَالِفِ الأصولِ القياسيَّةِ، مَا ثبتَ الحكمُ فِي أصلِه قطعًا، وثبتَ كونُ الفرعِ فِي معنى المنصوصِ، لم يُخَالَفْ إِلاَّ فيما يُعْلَمُ عُرُوُّه عن مصلحةٍ تَصْلُحُ أن تكونَ مقصودةً بشرعِ الحكمِ، وههنا كَذَلِكَ؛ فإنَّ مَنْعَ الغيرِ مِن إبطالِ حقِّ الغيرِ ثابتٌ بعدَ التَّفَرُّقِ قطعًا، وَمَا قبلَ التَّفَرُّقِ فِي معناه، لم يَفْتَرِقَا إِلاَّ فيما يُقْطَعُ بتعرِّيه عن المصلحةِ. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فلأنَّ القاطعَ مُقَدَّمٌ عَلَى المَظْنُونِ لاَ مَحَالَةَ، وَخَبَرُ الواحدِ مَظْنُونٌ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بمنعِ المقدِّمَتين معًا.
أَمَّا الأُولَى، فَلاَ نُسَلِّمُ عدمَ افتراقِ الفرعِ مِن الأصلِ إِلاَّ فيما لاَ يُعْتَبَرُ مِن المصالحِ؛ وَذَلِكَ لأنَّ البيعَ يقعُ بَغْتَةً مِن غيرِ تَرَوٍّ، وَقَدْ يحصلُ الندمُ بعدَ الشروعِ فِيهِ، فيناسبُ إثباتَ الخيارِ لكلِّ واحدٍ من المُتَعَاقِدَيْنِ، دفعًا لضررِ الندمِ، فيما لعلَّه يتكرَّرُ وقوعُه، ولم يمكنْ إثباتُه مطلقًا فيما بعدَ التفرُّقِ وقبلَه، فَإِنَّهُ رفعٌ لحكمةِ العقدِ والوثوقِ بالتصرُّفِ، فجعَلَ مجلسَ العقدِ حريمًا لاعتبارِ هَذِهِ المصلحةِ، وَهَذَا معنىً معتبرٌ، لاَ يستوي فِيهِ مَا قبلَ التفرُّقِ مَعَ مَا بعدَه.
وَأَمَّا الثانيةُ، فَلاَ نُسَلِّمُ أن الحديثَ المُخَالِفَ للأصولِ يُرَدُّ فإن الأصلَ يَثْبُتُ بالنصوصِ، والنصوصُ ثابتةٌ فِي الفروعِ المُعَيَّنَةِ، وغايةُ مَا فِي البابِ، أن يكونَ الشرعُ أخرجَ بَعْضَ الجزيئاتِ عن الكلِّيَّاتِ لمصلحةٍ تَخُصُّها، أَوْ تَعَبُّدًا فَيَجِبُ اتِّبَاعُه.
الوجهُ الرابعُ مِن الاعتذاراتِ: هَذَا حديثٌ معارِضٌ لإِجماعِ أهلِ المدينةِ وعملِهم، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ العملُ، فَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ العملُ، أَمَّا الأَوَّلُ فلأنَّ مالكًا، قَالَ عَقِيبَ روايتِه: (( وَلَيْسَ لِهَذَا عندَنا حدٌّ معلومٌ، وَلاَ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ ) ). وَأَمَّا الثَّانِي: فلِما اخْتَصَّ بِهِ أهلُ المدينةِ مِن سُكْناهم فِي مَهْبِطِ الوحي، ووفاةِ الرسولِ بَيْنَ أظْهُرِهِم، ومعرفتِهم بالناسخِ والمنسوخِ فمُخَالَفَتُهُم لبعضِ الأخبارِ تقتضي عِلْمَهُم بما أَوْجَبَ تَرْكَ العملِ بِهِ من ناسخٍ أَوْ دليلٍ راجحٍ، وَلاَ تُهْمَةَ تَلْحَقُهُم، فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهم، وَكَانَ ذَلِكَ أرجحَ من خبرِ الواحدِ المُخَالِفِ لِعَمَلِهِمْ.
وجوابُه مِن وجهينِ: أحدُهما: مَنْعُ المُقَدِّمَةِ الأُولَى، وَهُوَ كونُ المسألةِ مِن إجماعِ أهلِ المدينةِ، وبيانُه مِن ثلاثةِ أوجهٍ: مِنْهَا: أنَّا تَأَمَّلْنَا لفظَ مَالكٍ، فلم نَجِدْهُ مصرِّحًا بأن المسألةَ إجماعُ أهلِ المدينةِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ بالنظرِ فِي ألفاظِه. وَمِنْهَا أنَّ هَذَا الإِجماعَ، إِمَّا أنْ يُرَادَ بِهِ إجماعٌ سابِقٌ أَوْ لاحِقٌ، والأَوَّلُ باطلٌ؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ رأسُ المُفْتِينَ فِي المدينةِ فِي وقتِه، وَقَدْ كَانَ يرى إثباتَ خيارِ المجلسِ، وَالثَّانِي أَيْضًا باطلٌ، فإن ابنَ أبِي ذِئْبٍ - مِن أقرانِ مَالكٍ ومُعَاصِرِيه - وَقَدْ أَغْلَظَ عَلَى مَالكٍ لمَّا بلَغَهُ مخالفتُه للحديثِ.
وثانيهما: مَنْعُ المُقَدِّمَةِ الثانيةِ، وَهُوَ أن إجماعَ أهلِ المدينةِ، وعملَهم مُقَدَّمٌ عَلَى خبرِ الواحدِ مطلقًا، فإنَّ الحقَّ