ثم ذكر الكتاب: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، جعل سبب الحل على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع الحرمة؛ إذ مثل هذا - في أحكام اللَّه تعالى - لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء فيما جعل سببًا لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سببًا لها ثم يكره الإقدام عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سببًا للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي عنها، وبها قوامها. كذا هذا، لما جعل سببًا لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى عنه.
ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل. فإن سئلنا عن قوله عليه الصلاة والسلام:"لعن الله المحلِّل والمحلَّل له". قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله عليه الصلاة والسلام:"إن اللَّه لا يحب كل ذواق مطلاق"؛ وذلك لقصده الفراق بالنكاح، إذ النكاح بني في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به يقصد؛ فلهذا لحقه ما لحقه من اللعن.
ثم المحلَّل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك.
ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ليكون زجرًا ومنعًا عن ارتكابه.
وقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) ، يخرج على الترخيص؛ وذلك - واللَّه أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبدًا. واللَّه أعلم.