قوله: {أَن يَتَرَاجَعَآ} ، أي:"فِي أَنْ"، ففي محلِّها القولان المشهوران: قال الفراء: موضعهما نصبٌ بنزع الخافض ، وقال الكسائي ، والخليل: موضعهما خفضٌ بإضمار ، و"عليهما"خبر"لا"، و"فِي أن"متعلِّقٌ بالاستقرار ، وقد تقدَّم أنه لا يجوز أن يكون"عليهما"متعلقاً بـ"جُناح"، والجارُّ الخبر ، لما يلزم من تنوين اسم"لا"؛ لأنه حينئذٍ يكون مطوَّلاً.
قوله: {إِن ظَنَّآ} شرطٌ جوابه محذوفٌ عند سيبويه لدلالة ما قبله عليه ، ومتقدِّم عند الكوفيين وأبي زيد.
والظَّنُّ هنا على بابه من ترجيح أحد الجانبين ، وهو مقوِّ أن الخوف المتقدِّم بمعنى الظَّنِّ.
وزعم أبو عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين ، وضعَّف هذا القول الزمخشري لوجهين ، أحدهما من جهة اللفظ وهو أنَّ"أَنْ"الناصبة لا يعمل فيها يقينٌ ، وإنما ذلك للمشدَّدة والمخففة منها ، لا تقول: علمت أنَّ يقوم زيدٌ ، إنما تقول: علمت أنْ يقوم زيدٌ.
والثاني من جهة المعنى: فإنَّ الإنسان لا يتيقَّن ما فِي الغد وإنما يظنُّه ظناً.
قال أبو حيان: أمَّا ما ذكره من أنه لا يقال:"علمت أنَّ يقومَ زيد"فقد ذكره غيره مثل الفارسي وغيره ، إلاَّ أن سيبويه أجاز:"ما علْتُ إلا أن يقومَ زيدٌ"فظاهرُ هذا الردُّ على الفارسي.
قال بعضهم الجمع بينهما أنَّ"عَلِمَ"قد يراد بها الظَّنُّ القويُّ كقوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] ، وقوله: [الوافر]
1113 - وَأَعْلَمُ عِلْمَ حَقٍّ غَيْرَ ظَنِّ...
وتَقْوَى اللهِ مِنْ خَيْرِ العَتَادِ
فقوله:"علمَ حق"يفهم منه أنه قد يكون علم غير حق ، وكذا قوله"غيرِ ظَنٍّ"يفهم منه أنه قد يكون علمٌ بمعنى الظن.
وممَّا يدلُّ على أنَّ"عَلِمَ"التي بمعنى"ظَنَّ"تعمل فِي"أَنْ"الناصبة ، فليس بوهم من طريق اللفظ كما ذكره الزمخشري.