ومعنى الآية: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} ... إلخ؛ أي: إن مثلهم في مقاومتهم لدعوة الدين وجدهم في إخماد نوره مثل من ينفخ في الشمس بفيه ليطفئ نورها ويحجب ضياءها، وأنى له ذلك؟ فما هو إلا كمن يضرب في حديد بارد، أو كمن يريد أن يضرم النار في الرماد، أو كمن يريد أن يصطاد العنقاء:
أَرَى الْعَنْقَاءَ تُكْبُر أَنْ تُصَادَا ... فَعَانِدْ مَنْ تُطِيْقُ لَهُ عِنَادَا
والله معلن الحق، ومظهر دِينه، وناصر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على من عاداه ولو كره ذلك الكافرون. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوحي أبطأ أربعين يومًا، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود! أبشروا، أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان الله ليتم نوره، فحزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} الآية.
9 -ثم بيَّن العلة في إخماد دعوتهم، وأنه لا سبيل لقبولها لدى العقول، فقال: {هُوَ} سبحانه الإله {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدًا - صلى الله عليه وسلم - . وقرئ: {نبيه} . {بِالْهُدَى} ؛ أي: بالقرآن أو بالمعجزة. فالهدى بمعنى: ما به الاهتداء إلى الصراط المستقيم. {وَدِينِ الْحَقِّ} ؛ أي: وبالملة الحنيفية التي اختارها لرسوله ولأمته. وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، مثل: عذاب الحريق. {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ذلك الإظهار فيظهره. ولقد أنجز الله سبحانه، وعده؛ حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإِسلام، فليس المراد أنه لا يبقى دين آخر من الأديان، بل العلو والغلبة. والأديان خمسة: اليهودية والنصرانية والمجوسية والشرك، والإِسلام. كما في"عين المعاني"للسجاوندي.
والمعنى: أي هو الله الذي أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن والملة الحنيفية ليعليه على جميع الأديان المخالفة له، وإنما قال أولًا: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} . وقال ثانيًا: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} لأنه ذكر أولًا النور وإطفاءه فاللائق به الكفر؛ لأنه ستر وتغطية؛، وذكر ثانيًا الحاسدين للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهم من قريش، فناسب ذكر المشركين.