والمعنى: إنَّ إيتاء المال السفيه يؤدِّي إلى ضياعه، وقد كره الله تعالى لنا إضاعة المال؛ فإن السفيه تحمله الخفة والطيش على التبذير، وصرف الأموال في غير مصارفها، فتذهب باطلة.
فحقيقة السفه: أن تحمل المرء الخفة والسخافة وضعف الرأي على معصية الله تعالى، ومخالفة سنن الصالحين، والاشتطاط على النَّاس، وسوء التصرف في الأموال وغيرها من نعم الله تعالى كصرف نعمة الفراغ والصحة في اللهو واللعب، وصرف نعمة الفطانة والذكاء والصنعة في العلوم أو الأعمال الّتي لا يعود نفعها عليه في العاقبة كالسحر، والأوفاق، والتنجيم، والموسيقا، وكعمل آلات اللهو، والملاعب، والتصاوير، فمن فعل ذلك أو شيئًا منه كان سفيهًا، ومن تشبَّه بالسفهاء فهو منهم، ومن عاشر السفهاء يوشك أن يتشبه بهم،
وَيسْري إلى طبعه شيء من طباعهم.
روى الإمام أحمد في"الزهد"عن عمير بن حبيب بن حماسة - وكانت له صحبة - رضي الله تعالى عنه: أنّه أوصى بنيه فقال: يا بني! إياكم ومجالسةَ السفهاء؛ فإن مجالستهم داء، إنَّ من حلم على السفيه يسره بحلمه، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر النَّاس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطّن نفسه على الصبر على الأذى، وليوقِنْ بالثواب من الله - عزَّ وَجَلَّ -؛ فإن من يثق بالثواب من الله تعالى لا يجد مسِّ الأذى.
ثمّ اعلم أن السفه شجرة مددها الحمق، ولذلك حجر على السفيه.
ويرى السفيه الحق باطلًا، والقبيح حسنًا، والإحسان والنصيحة إساءة وغشًا، والصديق عدوًا، والنافع ضارًا، والضار نافعًا، والخير شرًا. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: يا هؤلاء! إنَّ الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما، وإذا طرح عليه العظم أكب عليه، كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق. رواه الإمام أحمد في"الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم.
قال مالك بن دينار أيضًا: لولا سفهاؤكم للبست لباسًا لا يراني محزون إِلَّا بكى. رواه أبو نعيم.
وفيه تأييد لالتزام العالم زي العلماء، وكل واحد من أهل صناعة زيهم لئلا يجترئ السفهاء على ذوي المروءات؛ وهو نفيس.