وإذا كان زي السفهاء قبيحًا بالعلّماء، فتخلُّق العلماء بأخلاق السفهاء أقبح.
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الّذي كتبت؟ رواه ابن الجوزي في"صفة الصفوة".
وأشقى السفهاء من يسمي سفهه عقلًا، وجهله علمًا، ويستكمل رأي نفسه في ذلك، ويرى أن العقلاء والفضلاء والعلماء سفهاء لأنّه قد دلس على نفسه بما يروج سوقه، ولا يستحسن رأيه عند أهل النُّبل والكمال، ولو طمع أنّه يخفى عليهم، فلا ولله لا يخفى على الله تعالى حقيقة أمره، بل الله تعالى يهتك ستره، ويوضح للناس أمره، ألَّا ترى المنافقين حين أطلقوا اسم السفه على الصّحابة رضي الله تعالى عنهم كيف قلب الله لقبهم عليهم، ووسمهم بالاسم الّذي سمُّوهم به، فقال
تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 13] ؟
فانظر كيف رد الله عليهم هذا اللقب حين لقبوا به المؤمنين إذ قالوا: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [سورة البقرة: 13] ؟
وقولُه - سبحانه - الحقُّ إشارة إلى أن من أعرض عن الدَّليل، ثمّ نسبه المتمسك به إلى السفاهة، فهو السفيه حقيقة، ومن باع آخرته بدنياه فهو السفيه، ومن عادى محمدًا فقد عادى الله، ومن عادى الله فهو السفيه المستوجب لذمه، المستحق لعقوبته.
ولله در الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه حيث يقول: من تزين بباطل فلا بد أن ينهتك ستره.
وقال العلّامة الجد رضي الله تعالى عنه: من السريع
قُولُوا لِمَنْ بَهْرَجَ فِي عُمْرِهِ ... بِالعِلْمِ إِذْ ضاقَ بِهِ الْمَخْرَجُ
يا صاحِبَ التَّمْوِيهِ بَيْنَ الوَرَى ... لا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ البَهْرَجُ
واعلم أنّه قد جرت عادة الله تعالى في كلّ ذي رأي أن يستحسن رأيه ويفخر كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سورة المؤمنون: 53] .
وأنشد الحاكم بإسناده إلى الربيع قال: سمعت الشّافعيّ - رضي الله عنه - يقول: من الوافر
وَمَنْزِلَةُ السَّفِيهِ مِنَ الفَقِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ الفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ
فَهَذا زاهِدٌ فِي عِلْمِ هَذا ... وَهَذا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ