أما قوله: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (البقرة: 20) أي: وقفوا في مكانهم حائرين، فهذا هو القرآن الذي أوحاه الله لنبيه، شبّهه الله بالمطر والغيث الذي يحيي به موات القلوب، كما تحيي الأمطار الأرض الميتة بإذن ربها، فيه وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، وهذه هي ظلماته ورعده وبرقه، يسمع المنافقون آياته تبرق تحذيرًا وتخويفًا، وتهجر بيانًا وحججًا، فينصرفون عن ذلك، ومثالهم كمن {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} .
وفي المثل يمتزج الممثَّل بالممثَّل به، مع الوعيد والتهديد الذي تراه في ختام الآيتين، {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 19، 20) .
وفي مقام إثبات توحيد الله وما يكون عليه حال من أشرك به، يضرب الله الأمثال في كتابه، فيقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} (البقرة: 26) إلى آخر الآيات، فإن الله لما ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج: 73) وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 41) .