وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة:" {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} (البقرة: 17) فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وآمنوا في الدنيا، وأُنكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون".
أما المثل الثاني: فهو مثل ضربه الله لأناسٍ من المنافقين، تتقطع قلوبهم ترددًا وشكًّا، فلا يقر لهم قرار، ولا تطمئن إليهم نفس، فانظر إلى روعة هذا المثل الذي ضربه لهؤلاء التعساء البؤساء، وكيف رسم صورة كأنك تراها رأي العين لهم، فأنت ترى أناسًا يسيرون في طريق يريدون أن يصلوا إلى غايتهم، وبينما هم كذلك؛ إذ بسحب السماء قد تجمّعت، وإذا بأمطارها قد هطلت، وإذا بالرعد يدوي بصوته، وبالبرق يلمع بضوئه، وقد وقفوا يرتجفون خوفًا، يحذرون أن تأخذهم صاعقة من هذه الصواعق، فتراهم وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والبرق من شدته يكاد يخطف أبصارهم، كلما لمع
ببريقه مشوا خطوات، وإذا أظلم عليهم وقفوا، وما علموا أن الله محيط بهم، وأنه لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم، إن الله على كل شيء قدير.
هذا هو المثل الذي ضربه الله لهؤلاء المنافقين في شكِّهم وترددهم، ومطابقة المثل لما هم فيه وعليه واضحة، فهؤلاء القوم جاءوا كغيرهم إلى هذه الدنيا، فنشئوا في بيئة جاهلية تعبد الأصنام والأوثان، وبينما هم كذلك إذ جاءهم رسول كريم ونبي عظيم، هو محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى الله الواحد الأحد، ويطلب منهم أن يؤمنوا به وبرسالته وما جاء به، ومعه -صلى الله عليه وسلم- من قوة الحجة ونصاعة الدليل ما يقنع العقل والقلب، فاستولت أدلة القرآن على عقولهم، وهذا هو البرق الذي يكاد يخطف أبصارهم، ولكنهم ينتكسون ويرجعون ويتوقفون ويعودون إلى الكفر، وهذا هو قوله: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} (البقرة: 19) .