2 -دلت الآية على وجوب قتال الفئة الباغية على الإِمام وعلى سواه من المسلمين، كما أنها حجة على من منع قتال المؤمنين مطلقًا، محتجًا بقوله - صلى الله عليه وسلم:"قتال المؤمن كفر"فلو كان قتال المؤمن الباغى كفرًا، لكان أمر الله بقتاله أمرا بما يكفر، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - كما أن هذا أقول مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم:"خذوا على أيدي سفائكم"ولو كان قتال المؤمن محرمًا على الإطلاق، لما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة مانعى الزكاة من المؤمنين.
وقد أمر الصديق أن لا يتبع فارٌّ، ولا يجهز على جريح منهم، ولا تَحِلُّ أَموالهم، بخلاف الواجب في الكفار.
ويقول الطبرى: لو كان الواجب في كل خلاف بين فريقين الهرب منه ولزوم المنازل، لما أُقيم حَدٌّ ولا أُبطل باطل، ولوجد أَهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم عليهم من أموال المسلمين، وسبق نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم:"خذوا على أيدي سفهائكم": إهـ. فلذلك كله يحمل حديث"قتال المؤمن كفرٌ"على قتال غير البغاة منهم استحلالًا له.
قتال علي ومعاوية:
كان القتال لشبهة قامت بينهما، فالإمام عليٌّ طلب البيعة من أهل الشام وعلى رأْسهم معاوية، ومعاوية طلب الأخذ بثأر عثمان ممن يوجد منهم في معسكر علي، فكان عليٌّ يقول: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، وكان معاوية ومن معه يقولون: لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحًا ومساءً.
وكان عليٌّ أحسن رأْيا من معاوية في هذا؛ لأنه لو قتل الذين قتلوا عثمان قبل تمام البيعة، لتعصبت لهم قبائلهم وصارت حربا أُخرى، فانتظر بهم أن يستوثق الأَمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من أولياءِ دم عثمان في مجلس الحكم، فيجرى القضاءُ بالحق والمسلمون يد واحدة.
3 -يستنبط من قوله - تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} أن لا يطالبوا بما جرى بينهما من دم، ولا ما أُنفق من مال، ففي طلب ذلك منهم تنفير لهم عن الصلح.