قوله تعالى: {لقد صدق الله} أي: الذي لا كفؤ له المحيط بجميع صفات الكمال {رسوله} الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الأخبار عما لا يكون أنه يكون فيكف إذا كان المخبر رسوله {الرؤيا} التي هي من الوحي أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوّاً كبيراً. فحذف الجار وأوصل الفعل. كقوله تعالى: {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب: (
وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري"قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس قالوا: أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجنا نرجف فوجدنا النبيّ صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته على كراع الغميم فلما اجتمع عليه الناس قرأ {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده"ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال جل ذكره {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق وقوله تعالى {بالحق} فيه أربعة أوجه.
أحدها: أنه يتعلق بصدق. ثانيها: أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض. ثالثها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق. رابعها: له قسم وجوابه {لتدخلن} أي بعد هذا دخولاً قد تحتم أمره {المسجد} أي: الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا بدخول الحرم {الحرام} أي: الذي أجاره من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم. قال الزمخشري: وعلى تقديره قسماً إمّا أن يكون قسماً بالله تعالى فإنّ الحق من أسمائه تعالى وأمّا أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل.