هذه المبادئ السامية ساعدت العرب على الاستيلاء على قبرص سنة 648 - 649م وعلى رودس سنة 653م ، بل هاجموا القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ذاتها سنة 667م ثم سنة 672 - 673م ، في حين انتهوا من غزو شمال أفريقيا بأكمله سنة 709م بفضل جهود موسى بن نصير.
(ب) التوسع الإسلامي وأثره
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
كان للفتوحات الإسلامية الأثر البعيد في البلاد التي دخلت تحت لواء الإسلام ، وظهر هذا الأثر بوضوح في شمال إفريقيا ، إذ تحول شمال إفريقيا ومصر بأكملها من الحضارة اللاتينية إلى الحضارة العربية ، ومن الديانة النصرانية إلى الديانة الإسلامية.
ولا عجب أن يسارع البرابرة - الذين طالما كانوا أشد عناداً في حروبهم - إلى الاندماج في تيار الحضارة ، ويصبحوا مسلمين ، ولم يكن هناك أي تدخل من جانبي السلطات الإسلامية الحاكمة في عقائد المسيحيين المصريين أو كنيستهم ، ولم يحدث قط أن شكا أحد من المسيحيين من تعرض المسلمين له في مجال نشاط الديني ، وفي هذا مكنتهى ما تصل إليه حرية العقيدة: أن تجد على اختلاف منازعها - حماية كاملة من الدولة.
وقد ينسى الغرب الحروب المذهبية الدامية منذ عهد لوثيروس إلى القرن الثامن عشر ، ويأخذ على المسلمين في عهد الدولة الأموية حركة التذمر التي سادت أقباط مصر ، والتي لم يكن من زرائها أي لون من ألوان الاضطهاد الديني ، فهلا أخذ على الإمبراطور دقلديانوس أنه أذل المسيحيين ، وحاول إبادتهم ، حتى إن أقباط مصر ربطوا تقويمهم القبطي بهذا الاضطهاد الديني الذي حل بهم.