فشرع هنا مستعار للتبيين كما في قوله: {أم لَهم شركاء شرَعُوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وتقدم في قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجاً} في سورة [العقود: 48] .
والتعريف في الدين تعريف الجنس ، وهو يعمّ الأديان الإلهاية السابقة.
و {من} للتبعيض.
والتوصية: الأمر بشيء مع تحريض على إيقاعه والعمل به.
ومعنى كونه شرع للمسلمين من الدّين ما وصَّى به نوحاً أن الإسلام دين مثل ما أمر بِه نوحاً وحضَّه عليه.
فقوله: {ما وصى به نوحاً} مقدر فيه مضاف ، أي مثلَ ما وصَّى به نوحاً ، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتى صار المِثل كأنّه عين مثله.
وهذا تقدير شائع كقول ورقة بن نوفل:"هذا هو الناموس الذي أنزل على عيسى".
والمراد: المماثلة في أصول الدّين مما يجب لله تعالى من الصفات ، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع ، وأعظمُها توحيدُ الله ، ثم ما بعده من الكليات الخمس الضروريات ، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها ، فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أُودع مثله في دين الإسلام.
فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد ، والإيمان بالبعث والحياةِ الآخرة ، وتقْوى الله بامتثال أمره واجتناب مَنْهِيّه على العموم ، وبمكارم الأخلاق بحسب المعروف ، قال تعالى: {قد أفلح من تزكّى وذكر اسمَ ربّه فَصلَّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا والآخرة خير وأبقى إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحففِ إبراهيم وموسى} [الأعلى: 14 19] .
وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه.
ودين الإسلام لم يَخْلُ عن تلك الأصول وإن خالفها في التفاريع تضييقاً وتوسيعاً ، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسدّ الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة ، وقد بيّنتُ ذلك في كتابي"مقاصدِ الشريعة الإسلامية".