قال مجاهد: لم يبعث نبي إلا أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار بالله تعالى وطاعته سبحانه وذلك إقامة الدين ، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: لم يكن مع آدم عليه السلام إلا بنوه ولم يفرض له الفرائض ولا شرعة له المحارم وإنما كان منبهاً على بعض الأمور مقتصراً على بعض ضروريات المعاش واستمر الأمر إلى نوح عليه السلام فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات ووظف عليه الواجبات وأوضح له الأدب في الديانات ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر الأنبياء واحداً بعد واحد وشريعة أثر شريعة حتى ختمه سبحانه بخير الملل على لسان أكرم الرسل ، فمعنى الآية شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء ديناً واحداً في الأصول وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب بصالح الأعمال والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكبر والزنا والإيذاء للخلق والاعتداء على الحيوان واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء وان اختلفت أعدادهم ، ومعنى {أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} اجعلوه قائماً أي دائماً مستمراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب انتهى ، ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقها لا ما نعرفه في شرعنا منها فإن الصلوات الخمس والزكاة المخصوصة وصيام شهر رمضان من خواص هذه الأمة على الصحيح ، والظاهر أن حج البيت لم يشرع لأمة موسى وأمة عيسى عليهما السلام ولا لأكثر الأمم قبلهما على أن الآية مكية ولم تشرع الزكاة المعروفة وصيام رمضان إلا في المدينة ، وبالجملة لا شك في اختلاف الأديان في الفروع ، نعم لا يبعد اتفاقها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتناب الرذائل {كَبُرَ} أي عظم وشق {عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} على سبيل الاستمرار التجددي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ويشعر بإرادته التعبير بالمشركين وهو أصل الأصول