فحصل هذا المعنى الثاني بغاية الإيجاز مع حسن موقع الاستطراد.
وإجراء وصفي {العزيز الحكيم} على اسم الجلالة دون غيرهما لأن لهاتين الصفتين مزيدَ اختصاص بالغرض المقصود من أن الله يصطفي من يشاء لرسالته.
ف {العزيز} المتصرف بما يريد لا يصده أحد.
و {الحكيم} يُحَمِّل كلامَه معاني لا يبلغ إلى مثلها غيرُه ، وهذا من متممات الغرض الذي افتتحت به السورة وهو الإشارة إلى تحدّي المعاندين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن.
وجملة {كذلك يوحي إليك} إلى آخرها ابتدائية ، وتقديم المجرور من قوله {كذلك} على {يوحي إليك} للاهتمام بالمشار إليه والتشويق بتنبيه الأذهان إليه ، وإذ لم يتقدم في الكلام ما يحتمل أن يكون مشاراً إليه بـ {كذلك} عُلم أن المشار إليه مقدر معلوم من الفعل الذي بعد اسم الإشارة وهو المصدر المأخوذ من الفعل ، أي كذلك الإيحاء يوحي إليك الله.
وهذا استعمال متّبع في نظائر هذا التركيب كما تقدم في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} في سورة البقرة (143) .
وأحسب أنّه من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثله في كلام العرب قبل القرآن.
وما ذكره الخفاجي في سورة البقرة من تنظيره بقول زهير:
كذلك خِيمهم ولكلِّ قوم
إذا مسَّتهم الضّراء خِيم...
لا يصحّ لأن بيْت زهير مسبوق بما يصلح أن يكون مشاراً إليه ، وقد فاتني التنبيه على ذلك فيما تقدم من الآيات فعليك بضم ما هنا إلى ما هنالك.
والجار والمجرور صفة لمفعول مطلق محذوف دلّ عليه {يوحي} أي إيحاءً كذلك الإيحاء العجيب.
والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله: {يوحي} للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] وقوله: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً} [الشورى: 7] إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك.