فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْبَيَانَاتِ أَنَّا إِذَا حَمَلْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِسْنَادُ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ إِسْنَادَ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ أَوْلَى لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَالِ الْمُسْلِمِ الْبُعْدُ عَنِ الْمَنَاهِي، لَا سِيَّمَا وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) [ص: 17] فإن قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَظْهَرُوا السَّفَاهَةَ حيث قالوا: (هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ) [ص: 4] وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا: (رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ) [ص: 16]
فَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى سَفَاهَتِهِمْ وَتَحَمَّلْ وَتَحَلَّمْ وَلَا تُظْهِرِ الْغَضَبَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ، فَهَذَا الذِّكْرُ إِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ صَبَرَ عَلَى إِيذَائِهِمْ وَتَحَمَّلَ سَفَاهَتَهُمْ وَحَلِمَ، وَلَمْ يُظْهِرِ الطَّيْشَ وَالْغَضَبَ، وَهَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا إِذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ صَارَ الْكَلَامُ مُتَنَاقِضًا فَاسِدًا.