سبع وسبعين سنة ، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوم لنسائه ، ويوم يسيح في الفيافي ، والجبال ، والسواحل ، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب ، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ، فيساعدونه على ذلك ، فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي ، فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، ويبكي معه الشجر ، والرمال ، والطير ، والوحش ، حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، وتبكي معه الجبال ، والحجارة ، والدواب والطير ، حتى تسيل من بكائهم الأودية ، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي ، وتبكى معه الحيتان ، ودواب البحر وطير الماء والسباع1...
والحق: أن الآيات ليس فيها شيء مما ذكروا ، وليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة ، وهي التي عليها المعول ، وليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه ، ولا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز والإشارة.
وما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض:"لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب ، الذين بدلوا ، وغيروا ونقله بعض المفسرين ، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه ، ولا ورد في حديث صحيح ، والذي نص عليه في قصة داود: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} وليس في قصة داود ، وأوريا خبر ثابت2."
والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي ، قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم ، وقد روي عن سيدنا علي أنه قال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وذلك حد الفرية على الأنبياء3 ، وهو كلام مقبول من حيث المعنى ، إلا أنه لم يصح عن الإمام ذلك كما قال العراقي.
1 تفسير البغوي على هامش ابن كثير ج 7 ص 195.
2 الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى ج 2 ص 158.
3 لأن حد القذف لغير الأنبياء ثمانين ، فرأى رضي الله عنه تضعيفه بالنسبة إلى الأنبياء وفي الكذب عليهم رمي لهم بما هم براء منه ففيه معنى القذف لداود بالتعدي على حرمات الأعراض والتحايل في سبيل ذلك.