ورواه الفراء وأبو إسحاق الزجاج بَيْنَ وهو خبر أيضاً ، ومعانيها ظاهرة ، والمعنى على قراءة من جزم الفعل أنهم بطروا وجهلوا قدر النعمة عليهم ، فسألوا أن يجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا لها ، فعجل لهم الإجابة كما عجل للقائلين: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق} [الأنفال: 32] الآي فتقلهم يوم بدر ، فكذلك هؤلاء مزقوا بين الشام وسبأ.
قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام ، والأزد بعمان وخزاعة بتهامة ، وفرقوا أيادي سبا وتقطعوا في البلدان بظلمهم لأنفسهم وكفرهم بنعمة الله.
ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: فما تقدم من النعم على هؤلاء والانتقام منهم لما بطروا النعمة وكفروا ، لدلالات وعظات لكل من صبر على طاعة الله ومحبته وشكر على نعمته .
قال مُطَرِّف: نعم العبد الصبار الشكور ، الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلي صبر . وصبار شكور بناءان للمبالغة.
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أي: صدق عليهم في ظنه ، وذلك أنه ظن ظناً على غير يقين فكان ظنه كما ظن بكفر بني آدم وطاعتهم له ، منهم أهل الجنتين وغيرهم.
ومن شدد"صدق"ونصب"ظنه"بوقوع صدق عليه ، لأن ظنه كان غير يقين ، فصدقه بكفر بني آدم واتباعهم له.
قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصاً ، وإنما ظن ظناً فكان كما ظن بوسوسته لهم.
والمعنى: أن إبليس لما أنذره الله قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولأحتنكن ذرية آدم ، وذلك ظن منه أنه يكون ، لم يتيقن ذلك . فلما وصل من بني آدم إلى ما أراد من
إضلالهم صدق ظنه فيهم.
وقرئ"صدق"بالتخفيف ، و"إبليس ظنّه"بالرفع فيهما على أن الظن بدل الاشتمال من إبليس.
وقوله: {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين} أي: لم يصدق فيهم ظنه ولا أطاعوه ، وثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس.
قال ابن عباس: هم المؤمنون كلهم.