ثم قال: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} أي: سيروا في هذه القرى التي قدرنا فيها المسير إلى القرى التي باركنا فيها - وهي بيت المقدس - آمنين ، لا تخافون ظلماً ولا جوعاً ولا عطشاً.
قال قتادة: آمنين لا يخافون ظلماً ولا جوعاً ، إنما يغدون فيقيلون في قرية ويروحون ، فيأتون قرية أهل خير ونهر ، حتى لقد ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها وتمتهن بيدها فيمتلئ مكتلها من الثمرة قبل أن ترجع إلى أهلها من غير أن تحترف بيدها شيئاً ، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً ولا سِقاءً مما بسط الله للقوم.
فهذا الذي ذكر الله من قصة سبأ وغيرها ، إنما ذكره لنا ليبين لنا إحسان المحسن وثوابه ، وإساءة المسيء وعقوبته/ ، ليتجافى الناس عن المعاصي ويرغبوا في الطاعة ويسارعوا إلى ما رغَّبهم فيه ، ويزدجروا عن ما نهاهم عنه ويخافون أن يحل بهم ما حل بمن قص عليهم عقوبته ، ويبادروا إلى فعل من قص عليهم كرامة لهم ، فهي مواعظ وأمثال تكرر في القرآن ليتنبه لها الغافل ويجتهد المتنبه إحساناً من الله تعالى ونعمة علينا ،
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ} [الروم: 58] . وقال: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال} [إبراهيم: 45] . وهذا كثير مكرر للأفهام في القرآن.
ثم قال تعالى: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} .
قرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية وأبو صالح: (رَبُّنا) بالرفع"بَاعَدَ بالفتح وألِفِ على الخبر."
وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر: (رَبُّنَا) بالرفع"بَعَّدَ"بالتشديد وفتح العين والدال . وقد رويت عن ابن عباس وهو خبر أيضاً.
وقرأ سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن:"رَبَّنَا"بالنصب"بَعُدَ"بضم العين وفتح الدال بين بالرفع .