الأعراف 172 - 173. وهذا العهد فِطريٌّ في النفس الإنسانية، وما جاءت الأديان إلا لتنفضَ عن هذه الفطرة غبار الغفلة وغبار الشهوات لذلك لم يأت الرسل لتأسيس دين، إنما للتذكير بهذا العهد القديم
{فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ}
الغاشية 21. لذلك، فالإنسان منا حين تتناوبه الأحداث، وتعزّ عليه الأسباب، ولا يرى مُنقذاً، ترده هذه الفطرة إلى القوة الخفية التي ستنقذه، فتجده يقول مستنجداً ومستغيثاً يا هوه يعني يا هو، وهو ضمير غيبة، إنما أشد إعلاماً من الاسم الظاهر، لماذا؟ لأنك حين تقولها لا تنصرف إلا لغائب عن عينك واحد هو الله. لذلك قال سبحانه
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
الإخلاص 1 ولم يقُلْ قُلْ الله أحد لأنه لا يخطر ببالك حين تقولها إلا الله خصوصاً في الشدة، وحين تعزّ عليك الأسباب، فلا يسعفك إلا ربك، كما قال سبحانه
{ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..}
الإسراء 67. وفي الشدة والضيق لا يكذب الإنسان على نفسه ولا يخدعها، فترى حتى الكفار عند الشدة يقولون يا رب، وتردُّهم الفطرة إلى الله الحق. لكن ما دام الإيمان الفطري بهذه القوة، ما الذي يطمسه في النفس الإنسانية؟ قالوا تطمسه الشهوات حين تتحرك في اتجاه مخالف لمنهج الله، فالمنهج يهدف إلى تهذيب الشهوات والغرائز والحدّ من عنفوانها، ولا يُعَدُّ هذا تعدياً عليها، وإلا فلماذا خلقها؟ لا بُدَّ أن لها مهمة، فالغريزة الجنسية مثلاً جُعِلتْ لبقاء النوع، ولم تُجعَل للشراسة والعربدة في أعراض الآخرين، كذلك جعل الله الغضب غريزة ولها مهمة. فالحق أباح لك أنْ تغضب حين تُستغضب. لذلك قالوا مَنِ اسْتُغضِب ولم يغضب فهو حمار، ومع ذلك يأمرنا ربنا بالحلم، ويقول سبحانه
{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ..}
المائدة 8 يعني لا يُخرجك الغضب عن حَدِّ الاعتدال، ولا يدعوك إلى الظلم، فالحق سبحانه لا يكبت فيك هذا الشعور، لكن يقيده حتى لا نطغى بسببه. وقصة سيدنا عمر في هذا الموضوع وضعت لنا المبدأ، فيُروى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - رأى قاتل أخيه زيد بن الخطاب في المعركة، فانصرف عنه، فذَكّروه هذا قاتل أخيك، فقال وماذا أفعل به، وقد هداه الله للإسلام، فكأن الإسلام برَّد نار الثأر في نفسه، والإسلام كما علمنا يجُبُّ ما قبله.