فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار:
{وَمَا كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22] .
وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقرراً له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك.
قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس:"ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم"أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة.
فأما السلطان الذي أثبته في قوله: {إِنَّما سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100] .
فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: {أَلمْ تَرَ أَنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أزا} [مريم: 83] .
قال ابن عباس:"تغريهم إغراء"وفي رواية:"تشليهم إشلاء"وفي لفظ:"تحرضهم تحريضا"وفي آخر:"تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا"وفي آخر:"توقدهم"أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش:"توهجهم". انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...