قدر الله هذا لحكمة يعلمها ؛ نلمح طرفاً منها ، في ترك الناس على حذر من أمرها ، وفي توقع دائم لها ، وفي استعداد مستمر لفجأتها. ذلك لمن أراد الله له الخير ، وأودع قلبه التقوى. فأما الذين يغفلون عن الساعة ، ولا يعيشون في كل لحظة على أهبة للقائها ، فأولئك الذين يختانون أنفسهم ، ولا يقونها من النار. وقد بين الله لهم وحذرهم وأنذرهم ؛ وجعل الساعة غيباً مجهولاً متوقعاً في أية لحظة من لحظات الليل والنهار: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} ..
{إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً ، خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً ، يوم تقلب وجوههم في النار ، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ، فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً} ..
إنهم يسألون عن الساعة. فهذا مشهد من مشاهد الساعة:
{إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً} ..
إن الله طرد الكافرين من رحمته ، وهيأ لهم ناراً مسعرة متوقدة ، فهي معدة جاهزة حاضرة.
{خالدين فيها أبداً} ..
باقين فيها عهداً طويلاً ، لا يعلم مداه إلا الله ؛ ولا نهاية له إلا في علم الله ، حيث يشاء الله. وهم مجردون من كل عون ، محرومون من كل نصير ، فلا أمل في الخلاص من هذا السعير ، بمعونة من ولي ولا نصير:
{لا يجدون ولياً ولا نصيراً} ..
أما مشهدهم في هذا العذاب فهو مشهد بائس أليم:
{يوم تقلب وجوههم في النار} ..
والنار تغشاهم من كل جهة ، فالتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها ، والحرص على أن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال!
{يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} ..
وهي أمنية ضائعة ، لا موضع لها ولا استجابة ، فقد فات الأوان. إنما هي الحسرة على ما كان!