الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَعْرَضَتْ سَبَأٌ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهَا وَصَدَّتْ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَتْهَا إِلَيْهِ رُسُلُهَا مِنْ أَنَّهُ خَالِقُهَا.
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: قَالَ:"لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَى سَبَإٍ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، فَكَذَّبُوهُمْ [1] ."
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: «فَثَقَبْنَا عَلَيْهِمْ حِينَ اعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ رُسُلِنَا سَدَّهُمُ الَّذِي كَانَ يُحْبَسُ عَنْهُمُ السُّيُولَ» وَالْعَرِمِ: الْمُسَنَّاةُ الَّتِي تُحْبَسُ الْمَاءَ، وَاحِدُهَا: عَرِمِةٌ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْأَعْشَى بِقَوْلِهِ:
[البحر المتقارب]
فَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ... وَمَأْرِبٌ عَفَّى عَلَيْهِ الْعَرِمْ
رِجَامٌ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيَرٌ ... إِذَا جَاءَ مَاؤُهُمْ لَمْ يَرِمْ
وَكَانَ الْعَرِمُ فِيمَا ذُكِرَ مِمَّا بَنَتْهُ بَلْقِيسُ.
[قَالَ] الْمُغِيرَة بْن حَكِيمٍ، قَالَ:"لَمَّا مَلَكَتْ بَلْقِيسُ، جَعَلَ قَوْمُهَا يَقْتَتِلُونَ عَلَى مَاءِ وَادِيهِمْ؛ قَالَ: فَجَعَلَتْ تَنْهَاهُمْ فَلَا يُطِيعُونَهَا فَتَرَكَتْ مُلْكَهَا، وَانْطَلَقَتْ إِلَى قَصْرٍ لَهَا، وَتَرَكَتْهُمْ؛ فَلَمَّا كَثُرَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَنَدِمُوا أَتَوْهَا، فَأَرَادُوهَا عَلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مُلْكِهَا، فَأَبَتْ، فَقَالُوا: لَتَرْجِعِنَّ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقَالَتْ: إِنَّكُمْ لَا تُطِيعُونَنِي، وَلَيْسَتْ لَكُمْ عُقُولٌ، وَلَا تُطِيعُونِي، قَالُوا: فَإِنَّا نُطِيعُكِ، وَإِنَّا لَمْ نَجِدْ فِينَا خَيْرًا بَعْدَكِ، فَجَاءَتْ فَأَمَرَتْ بِوَادِيهِمْ، فَسُدِّ بِالْعَرِمِ"
قَالَ وَهْبٌ، قَالَ أَبِي: فَسَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ حَكِيمٍ عَنِ الْعَرِمِ، فَقَالَ: هُوَ بِكَلَامِ حِمْيَرَ الْمُسَنَّاةُ؛ فَسَدَتْ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، فَحَبَسَتِ الْمَاءَ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ، وَجَعَلَتْ لَهُ أَبْوَابًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَبَنَتْ مِنْ دُونِهِ بِرْكَةً ضَخْمَةً، فَجَعَلَتْ فِيهَا أَثْنَى عَشَرَ مَخْرَجًا عَلَى عِدَّةِ أَنْهَارِهِمْ؛ فَلَمَّا جَاءَ الْمَطَرُ احْتَبَسَ السَّيْلُ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ، فَأَمَرَتْ بِالْبَابِ الْأَعْلَى فَفُتِحَ، فَجَرَى مَاؤُهُ فِي الْبِرْكَةِ، وَأَمَرَتْ بِالْبَعْرِ فَأُلْقِيَ فِيهَا، فَجَعَلَ بَعْضُ الْبَعْرِ يَخْرُجُ أَسْرَعَ مِنْ بَعْضٍ، فَلَمْ تَزَلْ تُضَيِّقُ تِلْكَ الْأَنْهَارَ، وَتُرْسِلُ الْبَعْرَ فِي الْمَاءِ، حَتَّى خَرَجَ جَمِيعًا مَعًا، فَكَانَتْ تَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مِنْ شَأْنِهَا وَشَأْنِ سُلَيْمَانَ مَا كَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْعَرِمَ اسْمُ وَادٍ كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَادٍ كَانَ بِالْيَمَنِ، كَانَ يَسِيلُ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانُوا يَسْقُونَ وَيَنْتَهِي سَيْلُهُمْ إِلَيْهِ»
عَنْ قَتَادَةَ «ذَكَرَ لَنَا أَنَّ سَيْلَ الْعَرِمِ وَادٍ كَانَتْ تَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مَسَايِلُ مِنْ أَوْدِيَةٍ شَتَّى، فَعَمَدُوا فَسَدُّوا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِالْقِيرِ وَالْحِجَارَةِ، وَجَعَلُوا عَلَيْهِ أَبْوَابًا، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ مَائِهِ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ، وَيسُدُّونَ عَنْهُمْ مَا لَمْ يَعْنُوا بِهِ مِنْ مَائِهِ شَيْئًا»
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.