وقرئ: {صابغات} بالصاد بدلًا من السين، وتقدم أنها لغة في قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} . قال المفسرون: كان داود عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكرًا، فيسأل الناس: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيَّض الله له ملكًا في صورة آدميّ، فسأله على عادته، فقال له الملك: نعم الرجل لولا خصلة فيه، فسأله عنها، فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، ولو أكل من عمل يده. لتمت فضائله، فعند ذلك سأل ربه أن يسبّب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلَّمه تعالى صنعة الدروع، فكان يعمل كل يوم درعًا ويبيعها بأربعة آلاف درهم، أو بستة آلاف، يتفق عليه وعلى عياله ألفين، ويتصدق بالباقي على فقراء بني إسرائيل.
وفي الحديث:"كان داود لا يأكل إلا من كسب يده"، وفي الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، فإن العمل بها لا ينقص بمرتبتهم، بل ذلك زيادة في فضلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وفي الحديث:"إن خير ما أكل المرء من عمل يده".
{وَقَدِّرْ} ؛ أي: واقتصد وتوسَّطْ {فِي السَّرْدِ} ؛ أي: في نسج الدروع بحيث تناسب مساميرها لحلقاتها؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا فيقلقل، ولا غليظًا فيفصم الحلق، أو المعنى: توسط عند نسج الدروع في حلقاتها؛ أي: لا تعملها صغيرة، فتضعف، ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة، فتثقل على لابسها، أو المعنى: اجعل كل حلقة مساوية لأختها، ضيقة، لا ينفذ منها السهم لغلظها, ولا تثقل حاملها، واجعل كلها بنسبة واحدة، وقدر واحد. أو المعنى: قدر وتوسط في سرد الدروع ونسجها, ولا تصرف جميع أوقاتك إلى نسج الدروع، بل اشتغل به مقدار ما تحصل به قوتك وحوائجك، وأما باقي الأوقات .. فاصرفه إلى عبادة ربك.
قال الرازي: أي إنك غير مأمور به أمر إيجاب، وإنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدر في ذلك العمل، ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب، بل حصِّل فيه القوت فحسب. انتهى.