وهذا المعنى هو المناسب لما بعده، وهو قوله: {وَاعْمَلُوا} يا آل داود، خطاب له ولأهله لعموم التكليف، ويجوز أن يكون أمرًا لداود فقط؛ شرفه الله بأن خاطبه خطاب الجمع. {صَالِحًا} ؛ أي: عملًا صالحًا خالصًا من الأغراض {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا أضيع عمل عامل منكم، فأجازيكم عليه، وهو تعليل للأمر، أو لوجوب الامتثال به، والبصير: هو المدرك لكل موجود برؤيته، ومن عرف أنه البصير .. راقبه في الحركات والسكنات، حتى لا يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره. وخاصية هذا الاسم وجود التوفيق، فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مائة مرة .. فتح الله بصيرته، ووفَّقه لصالح القول والعمل، وإن كان الإنسان لا يخلو عن الخطأ.
وإجمال معنى الآية: وعزتي وجلالي لقد أعطينا داود عليه السلام منَّا نعمًا ومننًا فقلنا للجبال وللطير: رجعي معه التسبيح، وردديه إذا سبح ذلك بأن نحمله عليه إذا تأمل عجائبها، فهي له مذكرات، كما يذكر المسبِّح مسبِّحًا آخر، وجعلنا الحديد في يده لينًا، يسهل تصويره وتصريفه كما يشاء، فيعمل منه الدروع وآلات الحرب على أتم النظم، وأحكم الأوضاع، فيجعل حلقاتها على قدر الحاجة، فلا هي بالضيقة فتضعف، ولا تؤدي وظيفتها لدى الكر والفر، والشد والجذب، ولا هي بالواسعة التي ربما ينال صاحبها من خلالها الأذى. وهذا تعليم من الله تعالى له في إجادة نسج الدروع.
قال قتادة: إن داود أول من عملها حلقًا، وكانت قبل ذلك صفائح، فكانت ثقالًا. واعمل يا داوود أنت وآلك بطاعة الله تعالى، فأجازيكم كفاء ما عملتم، ثم علل هذا الأمر بقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ؛ أي: إني مراقب لكم، مطلع عليكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ شيء منها، وفي هذا ما لا يخفي من التنبيه والإغراء بإصلاح العمل، والإخلاص فيه.
12 -ثم ذكر سبحانه ما أنعم به على ولده سليمان من النبوة والملك والجاه العظيم فقال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} ؛ أي: وسخرنا لسليمان عليه السلام الريح، وهي ريح الصبا.