وقرأ نافع وابن عامر ورويس وسلام والجحدري وقعنب: {عالم} بالرفع على إضمار: هو، وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون مبتدأ، والخبر {لَا يَعْزُبُ} وقال الحوفي: أو خبره محذوف؛ أي: عالم الغيب هو، وقرأ باقي السبعة: {عَالِمِ} بالجر على أنه بدل من {رَبِّي} ، أو نعت له. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {علام} على المبالغة والخفض، وقوله: {عَالِمِ الْغَيْبِ} تشديد للتأكيد بالقسم، كما مر، يريد أن الساعة من الغيوب، والله عالم بكلها، والغيب: ما غاب عن الخلق على ما قال بعضهم: العلقة: غيب في النطفة، والمضغة: غيب في العلقة، والإنسان: غيب في هذا كله، والماء: غيب في الهواء، والنبات: غيب في الماء، والحيوان: غيب في النبات، والإنسان: غيب في هذا كله، والله سبحانه وتعالى قد أظهر من هذه الغيوب، وسيظهره بعدما كان غيبًا في التراب. وفائدة الأمر باليمين: أن لا يبقى للمعاندين عذرٌ أصلًا لما أنهم كانوا يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة الكذب، فضلًا عن اليمين الفاجرة، وإنما لم يصدقوه مكابرة، وهذا الكفر والتكذيب طبيعة النفوس الكاذبة المكذبة، فمن وكله الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه .. لا يصدر منه إلا الإنكار، ومن نظره الله إلى قلبه بنظر العناية .. فلا يظهر منه عند سماع قوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} إلا الإقرار والنطق بالحق.
ومعنى قوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ} تعالى؛ أي: لا يبعد عن علمه، ولا يغيب، ولا يستتر عليه {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} ؛ أي: وزن نملة صغيرة، أو مقدار الهباء كائنة {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ، وفيه إشارة إلى علمه بالأرواح والأجسام {وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ} المثقال {وَلَا أَكْبَرُ} منه. ورفعهما على الابتداء، فلا وقف عند {أَكْبَرُ} ، والخبر: قوله تعالى: {إِلَّا} هو مسطور ومثبت {فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} هو اللوح المحفوظ المظهر لكل شيء، وإنما كتب جريًا على عادة المخاطبين، لا مخافة نسيان، وليعلم أنه لم يقع خللٌ وإن أتى عليه الدهر، والجملة مؤكدة لنفي العزوب، والمعنى: إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله تعالى.