{و} يعلم {مَا يَعْرُجُ} ويصعد {فِيهَا} ؛ أي: في السماء، كالملائكة والأرواح الطاهرة، والأبخرة والأدخنة، والدعوات، وأعمال العباد، والطائرات والمطاود الجوية، وأيضًا: يعلم ما يعرج في سماء القلب من آثار الفجور والتقوى، وظلمة الضلالة، ونور الهدى. ولم يقل: إليها؛ لأن قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى هو المنتهى لا السماء، ففي ذكر {فِي} إعلام بنفوذ الأعمال فيها، وصعودها منها إليه تعالى.
{وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الرَّحِيمُ} للحامدين، ولمن تولاه {الْغَفُورُ} للمقصِّرين، ولذنوب أهل ولايته؛ أي: وهو مع كثرة نعمه، وسبوغ فضله، رحيمٌ بعباده، فلا يعاجل بعقوبة، غفورٌ لذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.
فإذا كان الله متصفًا بالخلق والملك، والتصرف والحكمة، والعلم والرحمة، والمغفرة، ونحوها من الصفات الجليلة .. فله الحمد المطلق، والحمد: هو الثناء على الجميل الاختياري من جهة التعظيم من نعمة وغيرها، كالعلم والكرم، وأما قولهم: الحمد لله على دين الإِسلام، فمعناه: على تعليم الدين وتوفيقه، والحمد القولي: هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به نفسه على لسان أنبيائه، والحمد الفعلي هو الإتيان بالأعمال الصالحة البدنية ابتغاءً لوجه الله تعالى، والحمد الحاليُّ هو الاتصاف بالمعارف والأخلاق الإلهية، والحمد عند المحنة: الرضى عن الله فيما حكم به، وعند النعم: الشكر، فيقال في الضراء: الحمد لله على كل حال، نظرًا إلى النعمة الباطنة دون الشكر لله خوفًا من زيادة المحنة؛ لأن الله تعالى قال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ، والحمد على النعمة، كالروح للجسد، فلا بد من إحيائها، وأبلغ الكلمات في تعظيم صنع الله، وقضاء شكر نعمته: الحمد لله، ولذا جعلت زينة لكل خطبة، وابتداءٍ لكل مدحة، وفاتحةً لكل ثناء، وفضيلةً لكل سورة، ابتدئت بها على غيرها. وفي الحديث:"كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم"؛ أي: أقطع فله الحمد قبل كل كلام بصفات الجلال والإكرام.
قال في"فتوح الحرمين":