الإخلاص 1 - 2 فيحفظها كما هي، لكن لا يستطيع أنْ يقيم الدليل عليها، فهو إذن مُقلد لمن يثق فيه وفي إخلاصه له، كأبيه أو مُعلمه، فإنْ وصل الولد إلى مرحلة يستطيع فيها أنْ يُدلِّل على صِدْق هذه القضية فقد وصل إلى مرتبة العلم. والعلم وإنْ كان أنواعاً كثيرة، إلا أنه يمكن حَصْره في العلم الشرعي والعلم الكوني العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يُبلِّغه رسول بمعجزة، ولا دَخْلَ لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يُحدِّد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة لذلك يختلف الناس في هذا العلم. أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه لأنه ماديٌّ يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض. وبهذا العلم الكوني يُرَقِّي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، وعليك إنْ أردتَ رفاهية الحياة أن تُعمِل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات تُرقِّي بها حياتك. ففي الماضي، كان الإنسان مثلاً إذا أراد الماء يذهب إلى النهر أو إلى البئر، فإنْ عَزَّ عليه الماء طلب السُّقْيا من الله، وتوجَّه إليه بالدعاء ولا شيء آخر، فلما تطورتْ الوسائل وتوصَّل الإنسان إلى خواصِّ الماء واستطراقه من أعلى إلى أسفل، واستحدث الخزانات والمواسير، وصار يستقبل الماء في بيته بمجرد فَتْح صنبور المياه أصبح إذا انقطعت عنه المياه لا يقول يا ربِّ اسقنى. إنما يبحث عن سبب انقطاعها، أهو في ماسورة كُسِرت؟ أم أن الكهرباء انقطعت فعطلتْ موتور الرفع؟ أم أن محطة المياه تعطلت؟ .. إلخ. إذن كلما تقدمتْ الحضارة ووسائل المدنية بَعُدت الصِّلات بيننا وبين الله. وهذا العلم الكوني الذي يقوم على الفكر وإعمال العقل لا دَخْلَ للسماء فيه، ويستوي فيه المؤمن والكافر، فمَنْ سعى إليه وأخذ بأسبابه أعطتْه الأسباب لذلك وجدنا معظم الاختراعات والاكتشافات جاء بها علماء كفرة لا يؤمنون بالله، كالكهرباء والتليفون والتلغراف وغيرها. فمعنى {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ..} سبأ 6 أي العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا