وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفْسَهُ بِعِلْمِهِ الْغَيْبَ، إِعْلَامًا مِنْهُ خَلْقَهُ أَنَّ السَّاعَةَ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ جَائِيَةً، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ: بَلَى وَرَبِّكُمْ لَتَأْتِيَنَّكُمُ السَّاعَةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا أَحَدٌ سِوَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ، الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ} لَا يَغِيبُ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ ظَاهَرٌ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}
يَعْنِي: زِنَةُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ زِنَةِ ذَرَّةٍ فَمَا فَوْقَهَا فَمَا دُونَهَا، أَيْنَ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ {وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ}
يَقُولُ: وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ أَصْغَرُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ {وَلَا أَكْبَرُ} مِنْهُ {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}
يَقُولُ: هُوَ مُثْبَتٌ فِي كِتَابٍ يَبِينُ لِلنَّاظِرِ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَثْبَتَهُ وَأَحْصَاهُ وَعَلِمَهُ، فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ عَلْمُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، كَيْ يُثِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَلَى طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لِذُنُوبِهِمْ {وَرُزِقٌ كَرِيمٌ}
يَقُولُ: وَعَيْشٌ هَنِيءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) }