آل عمران 18. فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أُولي العلم شهادة العلم والدليل. ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قال {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..} سبأ 1 فكرَّر الاسم الموصول ما ولم يقُلْ له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح مرة
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..}
الجمعة 1. ومرة
{يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..}
الحشر 24. وفَرْق بين التعبيرين لأن هناك خَلْقاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهناك خَلْق خاص بالسماء، وخَلْق آخر خاص بالأرض، فإنْ أراد الكل قال
{مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..}
الحشر 24، وإنْ أراد الاختلاف كلاً في جهته، قال {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..} سبأ 1. والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول. ثم يقول سبحانه تذييلاً لهذه الآية {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} سبأ 1 الحكيم هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتّى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه لذلك قال سبحانه {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} سبأ 1 الذي لديه خِبْرة بدقائق الأشياء وبواطنها. ثم أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ...} .
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}
معنى {يَلِجُ ..} سبأ 2 يدخل، ومنه قوله تعالى
{يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ ..}
فاطر 13 يعني يُدخِل كلاً منهما في الآخر، فزيادة الليل تنقص من النهار، وزيادة النهار تنقص من الليل لذلك نرى اختلاف المواقيت. لكن، ما الذي يدخل في الأرض - في حدود ما تراه أنظارنا - ؟ هناك أشياء تدخل في الأرض لا دَخْلَ لنا بها كماء المطر مثلاً حين ينزل من السماء، نأخذ منه حاجاتنا، ويتسرَّب منه جزء في باطن الأرض، كما قال تعالى
{فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ..}