أنحب فيقضى أم ضلال وباطل... ومعنى الآية: أن من المؤمنين رجالاً أدركوا أمنيتهم ، وقضوا حاجتهم ووفوا بنذرهم فقاتلوا حتى قتلوا ، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم ، فإنهم مستمرّون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال لعدوّه ، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل ، وإدراك فضل الشهادة ، وجملة: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} معطوفة على صدقوا ، أي ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم ، بل ثبتوا عليه ثبوتاً مستمراً ، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر ، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا بدّلوا.
واللام في قوله: {لّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ} يجوز أن يتعلق ب {صدقوا} ، أو ب {زادهم} ، أو ب {ما بدلوا} ، أو بمحذوف ، كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين بصدقهم {وَيُعَذّبَ المنافقين إِن شَاء} بما صدر عنهم من التغيير والتبديل ، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء ، وأرادوها بسبب تبديلهم وتغييرهم ، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم ، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب ، فكأنهما استويا في طلبها والسعي لتحصيلها ، ومفعول {إن شاء} ، وجوابها محذوفان ، أي إن شاء تعذيبهم عذبهم ، وذلك إذا أقاموا على النفاق ولم يتركوه ويتوبوا عنه {إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي لمن تاب منهم ، وأقلع عما كان عليه من النفاق.