قال:"وفي التعبير تصوير حيٌ للارتداد، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسّم معنى الارتداد عن هذه العقيدة، وكأنه منظر مشهود، والمقصود أصلاً ليس حركة الارتداد بالهزيمة في المعركة، ولكن حركة الارتداد النفسية"، ويُطلق أحد الدارسين على حركة الانقلاب هذه تسمية الكناية، فيقول:"إن الكناية تدعنا نتخيل حركة عنيفة تتمثل في الانقلاب على الأعقاب في حركة نصف دائرية يميناً وشمالاً، فتشير إلى المعنى المكنّى عنه بحيوية وتأثير، وهو الحركة النفسية العنيفة في أرض المعركة التي انتابت نفوس المؤمنين وقلوبهم، فزلزلتها خوفاً وهلعاً، فانقلبوا منهزمين"، وأياً كان الأمر فإنّ الانقلاب يرسم الحركة النفسية رسماً جلياً واضحاً بعد نزع القشور الحسية عنها، فالدلالة الجمالية تظهر في التقريب والتناسب البديع بين من يترك نظره إلى الأمام ويرتدّ بحركته إلى الخلف، وبين من يترك الحق الجلي ويتبع الباطل المضّل، فضلاً عن إخراج الصورة بهذا المشهد الحافل بالحركة الداخلية.
ونلمسُ الحركة النفسية الشديدة في قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ} .
إذ استعار التعبير القرآني للاضطراب النفسي الشديد الذي أصاب الرسول والمؤمنين الأوائل لفظ (زلزلوا) الدالّ على الهزّات الأرضية المتتابعة في أصلها الحسي، لكنها تنمُّ هنا على هزّاتٍ نفسية عنيفة كادت تزعزع المؤمنين وتعصف بهم، ولعلَّ في تكرار الصوتين (الزاي واللام) إيحاءً بتكرار هذا الزلزال النفسي اعتماداً على ما ذهب إليه علماء الصرف من أن تكرار الأصوات يدلّ على تكرار الحدث، فالملمح الجمالي للحركة يبرز ما يحققه التعبير الاستعاري من صورة الزلزال الحقيقي وما يرافقه من اضطراب وشدة، وانعكس هنا على حركة نفوس المؤمنين فيما اعتراهم من الذعر والخوف.