وقد أجمعوا جميعا لا تنازع بينهم على أن جائيَا صحيح العقل ، لا جِنة
به لو جاء إلى الإمام فقال: قد قذفت محصنة بالزنا ، ولا شهود لي فأقم
علي حد القذف - لم يكن له تركه ، وأوجب عليه إقامته.
وقد يمكن أن يكون المقذوف يعفو عنه ، فلو كان الحد يسقط
بالعفو لوجب أن يقول له: أحضِر المقذوف لعله يعفو عنك.
وفي إطباق المسلمين على إزالة القطع عن المسروق فضةً أو ذهباً على
سقفِ مسجد يغلق بابه في غير حين الصلاة ، أو حائطه ، أو سرق
بَواريه بالغَا ما بلغ ،
إذ لا مالك له من البشر -: دليل على أن حد السارق وإن كان لله
فبسبب مال الآدمي آذاه بأخذه ، فإذا برأه الآدمي ، أو تصدق به عليه بعد
رفعه إلى الإمام لم يزل عنه ، ووجب على الإمام إقامته بالقذف أسوة هذا لا
يخالفه إن عفا المقذوف عنه قبل رفعه إلى الإمام ، فإذا رفعه إلى
الإمام أقامه عليه به ولم يلتفت إلى عفوه ، وإذا كان الحائل
بين حدود الله جملة في كلها مضادا لله في ملكه ، فالعافي عن حد وإن
وجب بسببه ممنوع عنه ، ومحول دونه ، وعلى الإمام أن يمضيه لله ، ولا
يحفل بعفوه.
فإن قيل: فَمَالَك جعلته في صدر الكلام حقا من حقوق من أسقطت
عفوه في هذا الموضع ، وجعلت إنظار المقذوف لإتيان شهوده على القذف
بإذن المقذوف ،
قيل: الإمام لا يعلم الغيب ، والمقذوف خصم قاذفه يطالب بحده ،
فإذا بلغ الإمام بخصومته فعرفه ، أو اعترف له القاذف وجب عليه
إقامته ، ولم يكن له تعطيل ، ولصاحب الحق أن يعفو قبل أن يأتب
الإمام به.
وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
دليل على أن شهادة القاذف بعد التوبة مقبولة ، وذنبه مغفور فيقال لمن
يمتنع من قبول شهادته بعد التوبة: لم جعلت الاستثناء واقعا على بعض