قلت: لأن التجارة هي التصرف في المال، لقصد الربح، والبيع أعم من ذلك، فعطفه عليها لئلا يتوهم القصور على بيع التجارة، أو أريد بالتجارة الشراء لقصد الربح، وبالبيع البيع مطلقًا. اهـ."فتح الرحمن".
{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ... (45) }
قال في"الكواشي": تنكير ماء مؤذن أن كل دابة مخلوقة من ماء مختص بها، وهو النطفة، فجميع الحيوان سوى الملائكة والجن مخلوق من نطفة، وتعريف الماء في قولى تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} نظرًا إلى الجنس الذي خلق عنه جميع الحيوان؛ لأن أصل جميع الخلق من الماء.
وعبارة أبي حيان هنا:
فإن قلت: لم نكر الماء هنا، وعرفه في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} ؟
قلتُ: لأن المعنى هنا: خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بهذه الدابة، أو من ماء مخصوص أو هو النطفة. وهناك قصد أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس، الذي وجنس الماء، وهو الأصل الذي هو من العناصر الأربعة.
قالوا: خلق الله ماء فجعل بعضه ريحًا، فخلق منها الملائكة، وجعل بعضه نارًا فخلق منها الجن، وبعضه طينًا فخلق منه آدم، انتهى.
والمعنى على القول الأول؛ أي: والله سبحانه وتعالى خلق كل حيوان يدب على الأرض، من ماء هو جزء مادته، وخص الماء بالذكر من بين ما يتركب منه من المواد لظهور احتياج الحيوان إليه، ولا سيما بعد كمال تركيبه، ولامتزاج الأجزاء الترابية به. ويخرج من هذا العموم الملائكة، فإنهم خلقوا من نور، والجان فإنهم خلقوا من نار.
وعبارة"الجمل"هنا: وهذا بحسب الأغلب في حيوانات الأرض المشاهدة، وإلا فالملائكة خلقوا من النور، وهم أكثر المخلوقات عددًا، والجن خلقوا من النار وهم بقدر تسعة أعشار الإنس، وآدم خلق من الطين، وعيسى خلق من الريح الذي نفخه جبريل في حبيب مريم، والدود يخلق من نحو الفاكهة ومن العفونات. اهـ."شيخنا".
فإن قلت: لم خص الدابة بالذكر، مع أن غيرها مثلها، كما شمله قوله في سورة الأنبياء: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} ؟
قلت: لأن القدرة فيها أظهر وأعجب منها في غيرها.