«فَإِنْ قِيلَ» : بما رفع {بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ؟
أجيب: بأنه رفع بالابتداء وخبره (على بعض) أي: طوّاف على بعض، وحذف؛ لأنّ طوافون يدل عليه، ويجوز أن يرتفع بـ يطوف مضمراً لتلك الدلالة.
قوله تعالى: {وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ}
«فَإِنْ قِيلَ» : أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعاماً في بيته؟
أجيب: بأن المراد من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت الأولاد؛ لأن بيت ولده كبيته؛ قال صلى الله عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك» ، وقال صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» .
{أَوْ صَدِيقِكُمْ}
أي: أو بيوت أصدقائكم، والصديق هو الذي صدق في المودة ويكون واحداً وجمعاً، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن عباس: نزلت في الحرث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال: تحرجت أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية.
يحكى عن الحسن أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، فأخبرته أعتقها سروراً بذلك، وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى في الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ.
وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}