يستحب أن يأكل الإنسان من هديه، وفيه أجر وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، كما تقدم.
وقال الشافعي: الأكل مستحب، والإطعام واجب في دماء التطوع، أما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا، كما تقدم.
وعلى هذا يكون ظاهر الأمر في الأكل إما الندب وإما الإباحة. وأما ظاهر الأمر في الإطعام فهو إما الوجوب كما قال الشافعي، وإما الندب كما قال أبو حنيفة.
5 -يجمع عند الذبح أو النحر بين التسمية، لقوله تعالى في الآية المتقدمة:
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها وبين التكبير، لقوله هنا: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول:
بسم الله والله أكبر،
وفي الحديث الصحيح عن أنس قال: ضحّى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما، وسمّى وكبّر.
وقد أوجب أبو ثور التسمية، واستحب بقية العلماء ذلك. وكره المالكية الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجازها الشافعي عند الذبح.
وذهب الجمهور إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل مني، جائز، وكره ذلك أبو حنيفة، ويرد عليه
الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: «ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» ثم ضحّى به.
وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من المالكية والحسن البصري، بدليل
ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله: أنه صلّى الله عليه وسلم قال عند الذبح: «اللهم منك ولك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر» ثم ذبح.
فلعل الإمام مالك لم يبلغه الخبر.
6 -لن يصل إلى الله لحوم الذبائح ولا دماؤها، وإنما يصل التقوى من عباده، فيقبله ويرفعه إليه ويسمعه. وقد امتن الله علينا بتذليل الإبل، وتمكيننا من تصريفها، وهي أعظم منا أبدانا، وأقوى أعضاء، ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير. وإنما هي بحسب ما يدبرها العزيز القدير، وليعلم الخلق أن الغالب هو الله وحده القاهر فوق عباده.