قوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ} في"أنْ هذه ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدُها: أنَّها هي المفسَّرةُ . قال الزمخشري: بعد أَنْ ذكَرَ هذا الوجه:"فإن قلتَ: كيف يكونُ النهيُ عن الشرك والأمرِ بتطهيرِ البيتِ تفسيراً للتبوِئَةِ؟ قلت: كانت البتوئةُ مقصودةً من أجل العبادةِ ، وكأنه قيل: تعبَّدْنا إبراهيمَ قُلْنا له: لا تُشْرِكْ". قلت: يعني أبو القاسم أنَّ"أنْ"المفسرةَ لا بُدَّ أن يتقَدَّمها ما هو بمعنى القولِ لا حروفِه ، ولم يتقدَّم إلاَّ التَّبْوِئَةُ وليست بمعنى القول ، فضَمَّنها معنى القول ، ولا يريدُ بقولِه"قلنا: لا تشرك"تفسيرَ الإِعراب بل تفسيرُ المعنى ؛ لأنَّ المفسِّرةَ لا تفسِّر القولَ الصريح . وقال أبو البقاء:"تقديرُه: قائِلين له: لا تشركْ ف"أنْ"مفسرةٌ للقولِ المقدَّر"وهذا ... ."
الثاني: أنَّها المخففةُ من الثقيلةِ ، قاله ابن عطية . وفيه نظرٌ من حيث إن"أَنْ"المخففةَ لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها فعلُ تحقيقٍ أو ترجيح ، كحالِها إذا كانَتْ مشددة .
الثالث: أنها المصدريةُ التي تنصِبُ المضارعَ ، وهي تُوْصَلُ بالماضي والمضارعِ والأمرِ ، والنهي كالأمر . وعلى هذا ف"أنْ"مجرورةٌ بلام العلةِ مقدرةً أي: بَوَّأناه لئلا تشركَ . وكان من حقِّ اللفظِ على هذا الوجه أن يكون"أن لا يشرك"بياء الغَيْبةِ ، وقد قُرئ بذلك . قال أبو البقاء:"وقوى ذلك قراءةُ مَنْ قرأه بالياء"يعني مِنْ تحتُ . قلت: ووجهُ قراءةِ العامَّةِ على هذا التخريج أن تكونَ من الالتفاتِ من الغيبة إلى الخطاب .
الرابع: أنها الناصبةٌ ، ومجرورةٌ بلام أيضاً . إلاَّ أن اللامَ متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: فَعَلْناه ذلك لئلا تشركَ ، فجعل النهيَ صلةً لها . وقوَّى ذلك قراءةُ الياء . قاله أبو البقاء والأصلُ عدمُ التقديرِ مع عدمِ الاحتياج إليه .