وأما مذهب مالك في الطيب للمُحرم فحاصله: أن الطيب عندهم نوعان: مذكر ومؤنث ، أما المذكر فهو ما يظهر ريحه ، ويخفى أثره: كالريحان ، والياسمين ، والورد ، والبنفسج ونحو ذلك. وأما المؤنث: فهو ما يظهر ريحه ، ويبقى أثره: كالمسك والورس والزعفران والكافور والعنبر والعود ونحو ذلك. فأما المذكر فيكره شمه والتطيب به ، ولا فدية في مسه ، والتطيب به ولو غسل يديه بماء الورد ، فلا فدية عليه عندهم في ذلك ، لأنه من الطيب المذكر ، خلافاً لابن فرحون في مناسكه حيث قال: إن ماء الورد فيه الفدية لأن أثره يبقى ، وممن قال: بأن الطيب المذكر لا فدية في استعماله: عثمان بن عفان ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق. وأما ما ينبت في الأرض من النبات الطيب الريح ولا يقصد التطيب به ، كالشيح ، والقيصوم ، والزنجبيل ، والإذخر ، فلا فدية فيه عندهم ، فهو كريح الفواكه الطيبة كالتفاح والليمون ، والأترج وسائر الفواكه وبعض أهل العلم يكره شمه للمحرم ، وإن خضب رأسه أو لحيته بحناء ، أو خضبت المرأة رأسها أو رجليها ، أو طرفت أصابعها بحناء فالفدية عندهم واجبة في ذلك. وأما مؤنث الطيب: كالمسك ، والورس ، والزعفران ، فإن التطيب به عندهم حرام ، وفيه الفدية.
ومعنى التطيب بالطيب عندهم: إلصاقه بالثوب ، أو باليد وغيرها من الأعضاء ، ونحو ذلك ، فإن علق به ريح الطيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطار ، أو في بيت تجمر ساكنوه ، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطار أو البيت الذي تجمر ساكنوه ، هذا هو مشهور مذهب مالك. وإن مس الطيب المؤنث افتدى عندهم ، وحد ريحه أولاً ، لصق به أولاً ، ويكره شم الطيب عندهم مطلقاً.
وأظهر أقوال علماء المالكية في الثوب المصبوغ بالورس ، والزعفران: إذا تقادم عهده ، وطال زمنه حتى ذهبت ريحه بالكلية: أنه مكروه للمحرم ، ما دام لون الصبغ باقياً ولكنه لا فدية فيه لانقطاع ريحه بالكلية.