قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما فيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، والله تعالى يقول {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وهو المشرع لأمته بأقواله ، وأفعاله ، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه ، فلو كان تزويج المحرم حراماً لما فعله صلى الله عليه وسلم واحتج الجمهور القائلون: بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة ، قالوا: ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"لا ينكح المحرم ولا يخطب"وصيغة النفي في قوله"لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب"يراد بها النهي كقوله تعالى {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ، ولا تفسقوا ، ولا تجادلوا في الحج ، وإيراد الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء ، كما هو مقرر في المعاني.
والحديث دليل صحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم على منع نكاح المحرم وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث ، والآثار الدالة على منع نكاح المحرم. وأجاب الجمهور القائلون: بمنع إحرام أحد الزوجين: أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور ، بأجوبة.
واعلم أولاً: أن المقرر في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينها إن أمكن ، وإن لم يمكن وجب الترجيح.
وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور ، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة ، وأبي رافع"أنه تزوجها وهو حلال"ووجه الجمع في ذلك ، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بأن المراد بكونه محرماً كونه في الشهر الحرام ، وقد تزوجها صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء ، كما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء.