وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضاً: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، وقتيبة بن سعيد الثقفي ، قال يحيى: أخبرنا ، وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن عمار الدُّهْنيُّ ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبدالله الأنصاري"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة"وقال قتيبة"دخل يوم فتح مكة ، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام"وفي رواية قتيبة قال: حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، وفي رواية أخرى عند مسلم عن جابر أيضاً:"أن النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء"وفي رواية عند مسلم من طريق عمرو بن حُرَيْثٍ ، عن أبيه"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء"وفي لفظ لمسلم ، عن جعفر بن عمرو بن حُرَيْثٍ ، عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وعليه عمامة سوداء ، قد أرخى طرفيها بين كتفيه. ولم يقل أبو بكر: على المنبر. انتهى منه.
فإن قيل: في بعض هذه الأحاديث الصحيحة: أنه دخل مكة ، وعلى رأسه المغفر ، وفي بعضها: أنه دخل وعليه عمامة سوداء.
فالجواب: أن العلماء جمعوا بين الروايتين. قال القاضي عياض: وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر ، بدليل قوله: خطب الناس ، وعليه عمامة سوداء ، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة ، وجمع بعض أهل العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر وكانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد ، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئاً للحرب ، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم انتهى محل الغرض منه من فتح الباري.