قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الحديث. وفيه: فقدم النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال"الحل كله"وفي البخاري قال"حله كله"فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح: فتعاظم ذلك عندهم ، دليل على أنه في ذلك الوقت ، لم يزل عظيماً عندهم. ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية ، لما تعاظم الأمر عندهم ، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر ، دليل على أن العمرة عام ست ، وعام سبع ، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم لشدة استحكامه فيها. وكذلك: إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة. والنَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، مودع حريص على إتمام البيان ، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين ، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: فتعاظم عندهم: أي لما كانوا يعتقدونه أولاً ، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ذلك عندهم انتهى منه.
قالوا: ولشدة عظمه عندهم ، لم يمتثلوا أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة أولاً ، حتى غضب عليهم بسبب ذلك. وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكماً في نفوسهم ، من أن العمرة في أشهر الحج ، من أفجر الفجور في الأرض ، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر.
قالوا: وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هدياً لأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم ، واعتماره هو مع حجته ، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جداً للبيان المذكور.