وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح.
ومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل.
قال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه وصار العاكف فيها أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها كسبيل المساجد الذي من سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه، وسبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به.
وهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة.
وعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: {الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1] وقد مر.
وقال آخرون: معنى {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} في تفضيله وتعظيم حرمته وإقامة المناسك به.
وهو مذهب مجاهد والحسن، وقول من أجاز بيع دور مكة.
وعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم.
قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته، وفي هذا نزل قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19] الآية. فأما المنازل فلم تزل لأهل مكة الدور والمساكن، غير أن المواساة تجب في أيام الموسم.