قال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا فلما كان المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [محمد: 1] .
قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى. والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال: ويقع يفعل في موضع فعل في بعض المواضع وأنشد الشاعر فقال:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني
على معنى: ولقد مررت. انتهت الحكاية عن أبي علي.
وذكرنا هذا وبيانه عند قوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] الآية.
قوله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ} [قال أبو إسحاق: {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} ] وقف التمام، ومعنى {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} كما قال {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] ويكون {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} رفعا على الابتداء والخبر.
وهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل - يعني جعلناه - واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} .
قال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء إذا جاءت بعد حرف قد تم به الكلام، فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفع لأن سواء بمعنى واحد. ولو قلت: مررت على رجل واحد عنده الخير والشر لرفعت.