والثالث: أن أُولَئِكَ اذعوا أنهم أولى باللَّه من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في غيره، ولكن بما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معناه: من يرد فيه إلحادًا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) ، معناه: تنبت الدهن. روي بالخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:"احْتكارُ الطعام بمكةَ إلْحَاد"، وكذلك روي عن عمر وابن عمر.
وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثمًا وألحد فيه، وجائز ما ذكرنا.
وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ، وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:"مكة مناخ، لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها".
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:"يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابًا؛ ليرد البادي حيث شاء"ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم.
وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ، وإنما ذكر ذلك في المسجد الحرام خاصة.
وقال أبو حنيفة - رحمه اللَّه -: أكره إجارة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسًا. وهو قول مُحَمَّد. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 7/ 401 - 406} ...